شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الجمعة، يناير 23، 2009

حكاية نونو

لا يوجد سبب لإنجاب الطفل الأول أبدا .. إنه حدث يرتبط إرتباطا وثيقا بتسلسل الحياة الطبيعية .. أنت تدرس فتتخرج فتعمل فتخطب فتاة ما ثم تتزوجها .. ثم لابد أن تنجبا طفلا في خلال عام واحد على الأكثر وإلا أصبحتما في مشكلة رهيبة قد يتدخل فيها الأقارب والأصدقاء والمعارف والجمعيات الإستهلاكية وربما يصل الأمر إلى أروقة الأمم المتحدة الأمريكية .. تتساقط عليك الآراء من هنا وهناك .. فمنهم من يخشى أن يكون أحدكما عقيما .. وذاك الذي يلمز بوجود عجز جنسي .. وتلك التي تقترح أن تقوما بعملية طفل أنابيب البوتاجاز .. نهاية بزيارة الأولياء وعمل حلقة زار .. إلخ .. المهم جاء الطفل الأول وزغرطي يا سعاد
.
ولا يوجد سبب أيضا لإنجاب الطفل الثاني .. كل ما قالوه لي أن الطفل الأول لا يمكن أن يكون وحيدا وإلا حاصرته الأمراض النفسية والعصبية .. فبرغم أنني أعي جيدا أنني قد أصبت بكل تلك الأمراض رغم أن لي العديد من الإخوة .. ولقناعتي بأن تلك الأمراض هي من صميم الجينات المصرية الحديثة التي تكونت بعد عام واحد وثمانين .. إلا أنني رضخت لفكرة إنجاب ذلك الطفل الثاني .. قال يعني بمزاجي
.
لم أجد عند أي شخص رأيا مقنعا ليوضح لي لماذا ولابد أن ننجب الطفل الثالث .. ففكرة أن يأتي أخ ما للطفل الأول أو أخت ما للطفلة الثانية فكرة فاشلة تماما .. ففي كل الحالات سيكون أحدهما مظلوما .. وقد تكون تلك ذريعة لإستدراجي إلى طفل رابع مستقبلا .. لم أقتنع ورفضت الفكرة بشدة .. فجاء الطفل الثالث
.
إنشغلت زوجتي في تربية الأطفال الثلاثة .. كانت مشغولة بهم ليل نهار .. حاولت أن أن أذكرها بأني زوجها وأنها لابد وأن تهتم بي أنا أيضا لكن دون جدوى .. لم تكن تستمع إلى ما أقول .. بل لم تكن تنظر إلي وجهي أصلا .. لدرجة أنه إنتابني بعض الشك أنه قد تم طلاقنا في يوم ما ولم يقم أحدهم بإخطاري بذلك .. كما إنتابني إحساس مرعب بأنني ربما أكون قد تحولت إلى شبح .. أنا شبح .. هي الشبح بكام دلوقت؟
.
تزوجت .. نعم تزوجت من أخرى .. كان ذلك هو الحل الوحيد المتاح أمامي حينذاك .. أذكر أن زوجتي الجديدة قالت أنه من الظلم لها أن أحرمها من إحساس الأمومة الجارف .. هذا بخلاف الوحدة التي تعانيها عندما أتركها لأزور بيت الأشباح الأول .. كان ذلك سببا مختلفا لإنجاب الطفل الأول .. لا أذكر هل قاومتها أم لا .. لكن في كل الأحوال جاء طفلها الأول
.
لكن العجيب هو إشتراك زوجتي الجديدة والقديمة معا في طرح نفس السبب لإنجاب الطفل الثاني .. راجع الفقرة الثانية فوق .. إنتابني إحساس خفي بأن حياتي الشبحية قد إقتربت لتتحقق في منزلي الثاني أيضا .. المهم أن طرح ذلك السبب تبعه إلحاح وتحايل من جانب زوجتي الجديدة .. وقوبل ذلك بالرفض التام من جانبي بالطبع .. كلمتي لا يمكن تنزل الأرض أبدا
.
وعندما أنجبت زوجتي الجديدة الطفل الثالث .... ء

التسميات:

الأحد، يناير 11، 2009

القضية ليست غزة

لنتذكر معا حكاية قديمة
فقد جاؤا إلى أعرابي يصرخون: أنجدنا .. لقد دخل العدو أراضي الدولة المجاورة .. وقتلوا رجالهم وإغتصبوا نساؤهم
فأجاب الأعرابي بهدوء: ماداموا لم يدخلوا دولتنا فلا ضرر .. إهدأوا يا قوم
وبعد شهر كامل .. هرعوا إليه مرة أخرى يقولون: النجدة .. لقد دخل العدو داخل دولتنا .. وبدأوا في قتل رجالنا وإغتصاب نسائنا
فأجاب الأعرابي: ماداموا لم يدخلوا مدينتنا فلا ضرر .. إهدأوا يا صحابي
وبعد إسبوعين .. جاءوا إليه جزعين ويستغيثون: أنجدنا .. لقد دخل العدو مدينتا .. ويقتلون رجالنا ويغتصبون نسائنا
فأجاب الأعرابي: ماداموا لم يدخلوا إلى شارعنا فلا ضرر .. إهدأوا يا أعزائي
وبعد يومين .. وبينما هو جالس فوق سطح الدار .. دخل عليه ولده لصغير وهو يصيح: أدركنا يا أبي .. لقد دخل العدو دارنا .. وقتلوا أخوتي .. ويغتصبون أمي الآن
فأجاب الأعرابي: ماداموا لم يقتربوا من مؤخرتي أنا فلا ضرر .. إهدأ يابني
****
قد تبدو القصة كوميديا سوداوية .. وأعلم أنها صادمة إلى حد كبير .. لكني أفضل أن أضع الحقيقة هكذا عارية وصادمة .. لماذا؟ لأننا جميعا قد غرقنا حتى آذاننا في حوارات وتحليلات ونقاشات وجميعها للأسف لن تغير من تلك الحقيقة شيئا .. وأخشى أن نكون قد أصبحنا بالفعل كمن يحتسي الخمر في محاولة يائسة وفاشلة للنسيان .. لكن دون جدوى
.
فعلى مدى إسبوعين وبرغم ذلك الخضم من التحليلات والنقاشات حول حماس وقتح ودور مصر ومعبر رفح والأدوار العربية والأجنبية والتحليلات العسكرية للحرب .. وبالإضافة إلى تلك المحاولات للدعم المادي والمعنوي من هنا وهناك .. برغم كل ذلك إلا أنني أرى أننا (وأنا معكم) ننشغل بحياتنا العادية ونسير في مخططاتنا وأحلامنا المستقبلية الخاصة مستندين على فرضية أن المستقبل سيكون آمنا .. وأن العدو لن يقترب أبدا من مخادعنا ذات يوم
.
أتمنى أن يعي الجميع أن الأمر الحادث الآن ليس المقصود به هو غزة فقط .. فهو يعنينا جميعا بالفعل رغم بعده عنا مكانيا الآن .. ولابد أن ننتبه إليه ونتحرز لأنفسنا منه من قبل أن يأتي علينا يوم يكون شاغلنا الأول فيه هو أن نتمسك بملابسنا الداخلية

التسميات:

الاثنين، يناير 05، 2009

الأماني المؤجلة

كانت المحاضرة الأخيرة التي يلقيها في الجامعة هذا العام .. وكعادته مع طلبته الدارسين في العام الدراسي الأخير والذين يتأهبون لمواجهة الحياة العملية بعد شهور قليلة من التخرج .. خصص القليل من وقت المحاضرة للحديث عن كيفية مواجهة الحياة بعد التخرج .. يعلم أنه قد منحهم خلاضة تجربته العلمية طوال عام كامل .. وجاء الآن الوقت المناسب لكي يمنحهم بعض النصائح التي حتما ستفيدهم كزملاء المستقبل .. تحدث إليهم كثيرا وهم أيضا سألوه كثيرا .. لعل هذا كان سببا في تشجيعهم علي طلب المزيد .. لدرجة أنهم طالبوه بمد وقت المحاضرة للحديث عن تجربته الشخصية الخاصة .. حاول التملص ولكن طلابه المعجبين به أيما إعجاب لم يمنحوه الفرصة
.
إنهالت اسئلتهم .. سألوه أسئلة غير متوقعة .. قالوا: كيف أختار شريك أو شريكة حياتي؟ هل الحب كاف لقيام حياة زوجية ناجحة؟ كيف تزوجت يا دكتور؟ هل أنت مقتنع بالزواج كنظام اجتماعي؟ هل ندمت علي خطوة الزواج؟ كيف تري الزوج أو الزوجة المثالي؟
.
ابتسم لهم تلك الإبتسامة التي دوما ما تزيد من رصيد معجبيه في كل مكان .. وبدأ حديثا من القلب .. قال: تجبرني أسئلتكم علي رواية الكثير من التفاصيل الخاصة .. والتي أتمني أن تكون بها إجابات كافية لكم .. تزوجت في بداية حياتي من فتاة غاية في الذكاء .. أنارت حياتي بمواقفها المساندة لي وشاركتني كل شئ .. حتي تفاصيل عملي كانت تهتم بسماعها .. شعرت أن الدنيا تفتح لي ذراعيها لأنها كانت نعم العون لي في بداية خطواتي .. ومع الوقت بدأ التألق يخبو .. ربما كان اعتيادي عليه .. وربما لأنها كانت لا تهتم بجوانب أخري .. لنقل أنها لم تشبعني كرجل .. أظنها كانت تستخف بذلك الجانب ولا تحب المشاركة فيه تماما .. كاستخفافها بإعداد ما أحب من طعام .. في الواقع كانت تترفع عن ذلك .. تلا ذلك إهمالها العاطفي لي فكان الإنفصال حتميا بيننا
.
تطلع إلي العيون المحدقة به وأكمل: حاولت أن أنتقي زوجة أخري أتلافي فيها عيوب الزوجة الأولي .. بالطبع انتقيت زوجة تقليدية سمعت الكثير عن مهارتها في الطهو .. وقد كان .. كانت نعم الزوجة أو هكذا ظننت .. فقد كان البيت براقا دائما .. لم تشغل رأسها الجميل يوما بسؤال عن عملي أو عن طموحي أو عن مستقبلنا المشترك .. فقط كانت تقيس مدي اهتمامي بها بإقبالي علي طعامها .. وعليها .. وعندما طال الأمر علي نفس الوتيرة أيقنت أني أسأت الإختيار للمرة الثانية
.
لهذا آثرت في زواجي الثالث البحث عن زوجة تهتم بهذه الجوانب فكانت زوجتي الثالثة فتاة أجنبية التقيتها بالخارج خلال مؤتمر علمي وجمع الحب بيننا في وقت قصير .. ورافقتني إلي بلدي راضية .. كانت للحق زوجة رائعة بكل المقاييس .. تهتم بنفسها وبالبيت وقبل كل شئ تهتم بي وبكل ما يهمني .. وتهتم بإشباعي حسيا وعاطفيا لأقصي درجة .. كنت أهيم بها وفي سبيل ذلك كنت أتحمل طهوها الغربي النزعة وأحاول إرشادها إلي ما أحب .. ولأنها كانت علي قدر عال من الذكاء فقد تلمست كل الطرق لإسعادي ومشاركتي كل اهتماماتي .. ونظرا لوجودنا في بلد شرقي لا يستسيغ القبلات العلنية أو الملابس المكشوفة فقد بدأت في الدفاع عنها أمام أهلي ومعارفي .. وبدأت في توجيه الملاحظات إليها .. حتي وصلنا لنقطة عدم قدرتي عن الدفاع وعدم قدرتها علي التواؤم .. فكان رحيلها الحزين إلي بلدها
.
نظر إلي العيون التي مازالت متعلقة بشفتيه وقال: من هذه التجارب أظنكم عرفتم كيف يكون انتقاء الشريك .. لا يوجد بشر كامل .. مهما بحثنا .. إنه فقط التوازن بين ما نرغب في وجوده وما يمكننا تحمله
.
دوي التصفيق عاليا في قاعة المحاضرات والتف الطلاب حول أستاذهم يحيونه من قلوبهم ويحاولون الحصول علي توقيعه بينما تحمل أعينهم تقديرا لرجل أصقلته الحياة بالخبرة والحكمة
.
وبينما هو يتأهب للرحيل من المكان ابتسم لنفسه وهمس : كم أتمني لو كنت قد تزوجت بالفعل
.

التسميات: