شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الثلاثاء، فبراير 23، 2010

اللقاء الثاني

في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي وربما في أوائل التسعينيات .. لا أذكر على وجه التحديد .. عندما كان الشعب المصري كله يلتف حول شاشات التليفزيون في السابعة والربع مساء كل يوم ليشاهد الجميع معاً حلقات "المسلسل العربي" كما كانوا ينعتونه آنذاك .. أذكر مسلسلاً جميلاً يدعى "اللقاء الثاني" قام ببطولته محمود يس وبوسي .. كان المسلسل عبارة عن حلقات منفصلة غير مسلسلة .. لكنها كانت جميعاً تدور حول فكرة رئيسية واحدة وهي: اللقاء الثاني بعد غياب طويل .. بعد زمن طويل من اللقاء الأول
.
كانت إحدى الحلقات تتحدث عن حبيبين عاشقين حالمين .. كان العاشق شاعراً .. وكانت الحبيبة هي ملهمته في كل وقت .. كانت من يجعله يسرد أحلى وأرق الأشعار .. وكانت تتذوق تلك الأشعار وتشجعه على أن يبدع أكثر .. لكن الظروف المادية للحبيب - والذي كان مكلفاً بالإنفاق والتجهيز لزواج أخواته البنات - حالت دون أن يتوج ذلك الحب بالزواج .. لتتزوج الحبيبة من العريس الجاهز .. بينما يظل الحبيب أعزباً طيلة حياته
.
تمر السنين وتترمل تلك الحبيبة بعد أن يتزوج أولادها ويرحلون بعيداً عنها .. فيعلم الحبيب القديم بذلك الأمر عن طريق أخواته .. يتذكر مرة أخرى أيام حبهما القديم ويقرر أن يتقدم للزواج منها.. فتقبل الزواج منه
.
يعود الحبيب مرة أخرى إلى نظم قصائد الشعر والغزل في حبيبته .. ينتظر يوم الزفاف بفارغ الصبر .. ويتزوجها فعلاً .. يعتقد أنه لم يتغير فيه غير أنه أصبح رجلاً كبيراً في السن فقط .. بينما قلبه مازال على نفس ما تركته عليه .. لكنه تفاجأ بأنها تغيرت كثيراً .. لم تصبح هي ملهمته وعاشقته كما كانت .. بل تغيرت إلى إنسانة مادية وعملية وباتت تسخر منه ومن رومانسيته الساذجة .. ليصاب بإحباط شديد
.
أتذكر تلك الحلقة من ذلك المسلسل رغم مرور تلك السنين الطويلة كلما استمعت إلى أغنية فيروز "كيفك إنت" .. وهي أغنية أسطورية ساحرة تتحدث عن فتاة أو امرأة تلتقي حبيبها بعد سنوات طويلة من الفراق .. تقول فيها
تذكر آخر مرة شفتك سنتها؟
تذكر وقتها آخر كلمة قلتها؟
ما عدت شفتك .. وهلأ شفتك
كيفك إنت؟ أيوة إنت
كيفك؟ قال عم بيقولوا صار عندك ولاد
أنا والله كنت مفكرتك براة البلاد
شو بدي بالبلاد؟ الله يخلي الولاد
كيفك إنت؟ أيوة إنت
يطلع على بالي .. إرجع أنا وياك
بحبك بالأساس
أحبك إنت .. أيوة إنت

وفي أغنية أخرى لفيروز أيضا .. أغنية "بعدك على بالي" - والتي يمكن ترجمتها من اللهجة اللبنانية إلى العربية الفصحى بمعنى "لازلت في خاطري" - نعيش شعور الحبيبة التي لا يغيب حبيبها عن خاطرها أبداً رغم سنوات الفراق الطويلة .. ولو كنت مؤلفاً أو مخرجاً سينيمائياً لوضعت أغنية "بعدك على بالي" قبل أغنية "كيفك إنت" كتسلسل منطقي لأحداث فيلم يدور حول الفراق.. واللقاء
.
وأعود مرة أخرى لمسلسل اللقاء الثاني .. حيث إحتوى المسلسل على أغنية ثالثة من تأليف سيد حجاب وألحان عمر خيرت وغناء علي الحجار وحنان ماضي هي "زي الهوا" .. وهي التي تعبر تماما عن حقيقة واقعية جداً للأسف ألا وهي أن الصورة التي نحملها في مخيلتنا للحبيب عبر السنين ليس بالضرورة أن تظل كما هي .. بل من المرجح تماما أنها ستتغير .. وهو ما عبرت عنه كلمات الأغنية التي تقول
زي الهوا ساير وخيال الطيف
أحلى سنين العمر .. بينـّا تمر
يا نعيش هوانا هوانا .. حلم ليلة صيف
يا تتوه خطانا في ليل شتانا المر
ولما تتلاقى الوشوش مرتين
ما بيتلاقوش يوم اللقا التاني
عمر الوشوش ما بتبقى بعد السنين
نفس الوشوش دي بتبقى شيء تاني
بتبدّل الأيام ملامحنا
ترعشنا, تنعشنا, تشوّشنا
يا ترى اللي بيعيش الزمن إحنا
والا الزمن هوة اللي بيعيشنا

ولأنه يبدو أن الزمن هو الذي يعيشنا .. فإننا جميعاً نهرب أو نتهرب دائما من حقيقة "زي الهوا" المرة المؤلمة .. ونعيش دائما في حالة "بعدك على بالي" أملا في أن نلتقي يوما لنقول "كيفك إنت" .. أيوة إنت

التسميات:

الثلاثاء، فبراير 16، 2010

روشتة علاج


كان ذلك منذ أعوام عديدة حينما كانت مهمته المحددة له في الشركة التي إنضم إليها حديثا هي أن يعيد هيكلة تلك الشركة التي كانت تعد إحدى الشركات المتعثرة في إحدى الدول العربية .. يومها سألوه بتلقائية شديدة: ما هو أول شيء ستفعله فور تولي مهمتك؟ أجاب على الفور: أول شيء سأقوم بعمله فورا هو ألا أفعل شيئا .. فقالوا: ألن تقوم بفصل بعض المديرين والموظفين ثم تأتي أنت برجالك وأهل ثقتك؟ فأجاب: كلا .. لن أفعل ذلك الآن
.
كانت تلك هي الإجابة المفاجئة المباغتة التي لم يفهمها الجميع آنذاك .. لكنه أردف في شرح ما قاله موضحا: من أدراكم أن تعثر الشركة قد يعود سببه إلى المديرين أو الموظفين الموجودين حاليا؟ ربما كان ذلك صحيحا وربما لا .. دعوني أراقب خطوات سير العمل في كل مراحلة لفترة ما حتى أستطيع أن أضع يدي على أوجه الخلل .. فربما كان مصدر الخلل أمرا بعيدا جدا عن مخيلتنا جميعا .. ربما كان من التسويق .. ربما كان من الإنتاج .. ربما كان من الجودة .. ربما كان من إختلاف متطلبات العملاء .. ربما هو عيب في الماكينات .. ربما توجد سرقات .. وربما وربما .. دعونا نستكشف الأمور بتأني فربما كان جميع الموظفين رائعين بالفعل لكن هناك أمر آخر لا يحقق الإستفادة منهم
.
كانت أولى المشاكل التي إصطدم بها هي مديونية الشركة لدى الموردين .. كان هناك العديد من مندوبي هؤلاء الموردين يأتون لزيارة مقر الشركة يوما بعد يوم ويفتعلون المشاكل بسبب تأخر مستحقاتهم لدى الشركة .. كما أن أغلبهم كان قد رفض أن يتعامل مع الشركة مرة أخرى .. ليس هذا فحسب .. بل إنتشرت بسبب ذلك سمعة غير طيبة في الأسواق عن حالة الشركة المتعثرة .. مما أدى إلى أن الموردين الآخرين الذين لا تتعامل معهم الشركة من الأساس قد أخذوا على أنفسهم عهدا ألا يتعاملوا مع تلك الشركة إذا طلب منهم ذلك بسبب تلك السمعة الغير طيبة
.
قال يومها لمدير الحسابات: أريد أن أتعرف على تفاصيل تلك المديونية .. فلما أتى إليه بقائمة الموردين الدائنين .. إكتشف أنهم أكثر من مائة مورد .. هناك ثلاثة منهم لهم مستحقات لدى الشركة تفوق مئات الألوف .. وهناك عشرون منهم لهم مستحقات تقدر بعشرات الألوف .. ثم هناك ثمانون موردا لهم مستحقات متفاوتة كلها ذات قيمة أقل من عشرة آلاف
.
كان مجموع مديونية الثلاثة الأوائل معا تصل إلى المليون .. أما مجموع مديونية العشرين التاليين معا فتصل إلى ثلث مليون .. بينما مجموع مديونية الثمانين التاليين معا تصل إلى ستين ألف .. تعجب الرجل من أن حل المشكلة واضح وسحري وسريع لكن لم ينتبه إليه أحد .. قال لمدير الحسابات: كل ما عليك الآن هو أن تدبر مبلغ ستين ألفا فقط .. ثم تستدعي بعدها الثمانين موردا وتسدد لهم مستحقاتهم جميعا .. أتدري ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ستتخلص فجأة من الصداع اليومي لثمانين زائرا ينغصون عليك يومك .. وسينشر ثمانون رجلا في الأسواق خبر تسديد مديونياتنا لهم .. وسيؤدي ذلك إلى إنتشار سمعة طيبة مفاجئة .. وبعد أن كنت مطاردا من قبل مائة وثلاثة مورد .. أصبحت مطاردا من قبل ثلاثة وعشرون فقط .. كما أن تلك الخطوة ستسهم في إعادة العلاقات الجيدة مع الموردين مرة أخرى مما سيسهم في دفع عجلة التوريدات المتعطلة مرة أخرى
.
أما الخطوة التالية فهي أن ندبر المستحقات المطلوبة للعشرين موردا التاليين الأصغر فالأكبر .. حتى إذا ما تخلصنا من مديونياتهم الواحد تلو الآخر .. تبقى لنا الثلاثة الكبار فقط .. ووقتها سنستطيع أن نجدول مديونياتنا معهم شيئا فشيئا بعيدا عن ضغوط الآخرين .. تخيل عندما يأتي اليوم الذي تتقلص فيه مائة وثلاثة مشكلة إلى ثلاثة مشكلات فقط
.
أذكر الآن تلك القصة الواقعية وأنا أطلع من بعيد على حال بلادي .. أنظر إلى كل المشاكل التي يشكو منها الجميع فأري أن نفس الأمر ينطبق عليها .. فالمشاكل دائما ستكون على أنواع ثلاثة: مشكلات ذات عدد ضخم لكن حلها سهل وبسيط جدا .. ومشكلات عددها متوسط لكن حلها يتطلب بعض التركيز بعد أن يتم التخلص من المشكلات العديدة البسيطة .. ثم مشكلات قليلة العدد جسيمة الخطورة
.
لو راقبنا جميع شكاوي المواطنين هنا وهناك ستجد فعلا أن العدد الأكبر منها هي مشكلات سببها ساذج جدا .. ربما يكون حلها في تسهيل إجراء حكومي ما .. أو قليل من الإهتمام من موظف ما .. أو تشديد المراقبة قليلا بشكل ما .. أي أن العديد من المشكلات قد يكون حلها أبسط مما نتخيل بمجرد إعمال بعض العقل وإبداء القليل من الإهتمام .. وإذا ما تم حل تلك المشاكل المتعددة بحلول سحرية بسيطة .. شعر الناس فجأة بتحسن أحوال البلاد نسبيا .. فقد تم حل ثمانين مشكلة فجأة وببساطة .. ولم يتبق سوى ثلاثة وعشرون مشكلة كبيرة يتطلب حلهم مجهودا أكبر فيما بعد شيئا فشيئا
.
تطالعنا يوميا الصحف والمجلات وبرامج التوك شو في الفضائيات بالعديد من السلبيات العجيبة هنا وهناك .. لو فكرنا في معظمها سنجد أنها فعلا سخيفة وحلها ساذج .. وهو ما يجعلنا نتعجب من سلبية المسؤولين تجاه إتخاذ القرارات الفورية لتطبيق تلك الحلول والتي ستخفف عنهم فورا العديد من الإنتقادات اليومية وستجعلهم يتفرغون لدراسة المشاكل الأكبر فالأكبر دون تشويش ضخم من الرأي العام
.
والأهم من ذلك كله .. متى سيأتي علينا ذلك اليوم الذي عندما يتقلد فيه شخص ما منصبا مهما ألا يبدأ أول خطواته بفصل الموظفين القدامى وجلب أهل ثقته معه؟ من يجد إجابة على هذا السؤال أرجو منه أن يثلج صدري بأن يخطرني بها

التسميات:

الأربعاء، فبراير 03، 2010

كأس أفريقيا 2012

الفرحة .. أخيرا عشنا لحظات من الفرحة .. ذلك الشعور الذي نشعر بذروة حلاوته لسبب بسيط: أن أحزاننا وانكساراتنا كثيرة ومتنوعة ومتتالية .. لذلك فإنه عندما يحدث ما يفرحنا فإننا نقتنص اللحظة ونعتصرها عصرا .. نعيشها بكل جنون ولأقصى حد .. وكأننا جميعا نتفق – دون أن نصرح لبعضنا بذلك – على أن تلك اللحظة المفرحة قصيرة ومؤقتة .. وأنها مهما طالت فإنه سيعقبها لحظات أخرى محزنة .. المهم .. دعوني أعتصر اللحظة وأعيشها أنا أيضا .. فمبروك لمصر على هذا الإنجاز الغير مسبوق .. والذي منحنا أخيرا لحظات من الفخر والسعادة حتى لو مؤقتا .. فقد كنت أحتاج أن أشعر أولادي بأنه ما زال هناك ما يميزنا ويضعنا على خريطة العالم .. كنت أريد أن أثبت لهم أنه يوجد شيء ما نتفوق فيه ويجعل اسم بلادنا يتردد في المحافل العالمية وأننا لسنا بدولة نكرة تماما .. حتى لو كان هذا الشيء الذي تفوقنا فيه هو لعبة كرة القدم .. وحتى لو كانت البطولة اقليمية .. لا يهم

المهم الآن أنني أريد أن أطرح على الجميع سؤالا مهما .. ماذا نحن فاعلون في البطولة القادمة بعد عامين من الآن؟ هل فكر أحد ما في ذلك الأمر؟ هل سنخطط لنستمر على القمة فنحصل على الكأس للمرة الرابعة على التوالي؟ هل سنستعد لكي ندافع عن لقبنا ونسعى لأن يكون تفوقنا مستمرا؟ أم أننا سنكتفي بما حققناه حتى الآن؟ هل ستقل حماستنا في المرة القادمة ونتصرف وكأننا شبعنا من الإنتصارات والبطولات؟ هل سنغفر لفريقنا إذا انهزم وخرج من البطولة دون أن يحصل عليها؟ فليفكر كل منكم قليلا في الأمر قبل أن نصل إلى الفقرة السابقة

.ماذا سيكون رد فعل أغلب أفراد الشعب إذا شارك الفريق المصري في البطولة القادمة ثم خرج من الأدوار التمهيدية؟ سيكون رد الفعل في الغالب هو الحزن المخفف .. ستجد أغلب الناس تقول لك أن ذلك لا يهم فنحن أبطال أفريقيا لسبعة مرات منها ثلاثة متتالية .. ولن يقلل هذا الخروج المبكر من تلك الحقيقة شيئا .. وهنا يكمن السر في وصف حالنا العام والخاص .. فالإرتكاز على انجازات الماضي هو أول طريق الانهيار .. ولا يوجد عيب لدينا أكثر من أننا دائما نفتخر بما انجزه أجدادنا قبل ذلك فنرى وقع اخفاقنا الحالي خفيفا وسهلا

إذا فنحن أمام مثال حي الآن يصف الحالة المصرية كما أراها أنا وكما يراها كل من يرون الصورة من الخارج .. وإذا تكررت الهزيمة في البطولات الأفريقية القادمة سينسى المنافسون أننا كنا أبطالا للقارة على مدى ثلاثة بطولات متتالية .. ولن يذكر ذلك سوانا نحن .. ولن تشفع كل تلك البطولات لنا لكي نفوز بالبطولات القادمة بالتزكية أو بالأقدمية .. بل علينا بذل الجهد والعرق .. وقبل كل ذلك أن نتفق من الآن على أن نستمر في تربعنا على القمة .. ونخطط لذلك من الآن .. ولا ندع ذلك للصدف والحظ .. قد نسعد بإنجازات الماضي .. لكن يجب ألا نركن إليها ونتكاسل وننهار كما حدث لنا في كافة المجالات الأخرى

اللهم قد بلغت .. اللهم فأشهد

التسميات: ,