شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الاثنين، يوليو 26، 2010

أنا شربت حشيش يا سعاد


يحدث في مصر أن يستيقظ المواطن المصري من نومه ذات يوم فيجد وسائل الإعلام المختلفة تتحدث عن البدء في تغيير الساعة ليتم العمل بنظام التوقيت الصيفي .. وبرغم أنه لا أحد يعلم حتى الآن ما هي جدوى ذلك النظام في العصر الحالي إلا أنه يحدث وخلاص .. ولكن ليست تلك هي المشكلة .. المشكلة أنه يحدث في مصر أن يستيقظ نفس المواطن المصري في يوم آخر ليجد نفس وسائل الإعلام تتحدث عن العودة إلى العمل بنظام التوقيت الشتوي خلال شهر رمضان – ولا أحد يعلم أيضا لماذا – ثم تعود البلاد للعمل بالتوقيت الصيفي مرة أخرى بعد انقضاء شهر رمضان المبارك وكل عام وأنتم بخير وبوسه من هنا وبوسه من هنا

كما يحدث في مصر أن يستيقظ المواطن المصري مرة أخرى – هو نايم على طول أصلاً – ليجد خبراً موتوراً عن وجوب الحصول على ترخيص قبل تعليق زينات رمضان وذلك توفيراً وترشيداً لإستهلاك الكهرباء .. فيقع أطفال الحي في حيرة لأن أوراق الزينة التي أعدوها وألصقوها بالصمغ والنشا لا تعمل بالكهرباء ومع ذلك فهم عرضة للمخالفة والتنكيل

يحدث في مصر أن تتفق دول حوض النيل على توزيع جديد للحصص فيما بينها .. فيستيقظ المواطن المصري إياه على تصريح من المسؤلين مؤكدين أن النهر سيظل للأبد يجري من الجنوب للشمال ولا سبيل لتغيير الظواهر الطبيعية .. ومؤكدين أنه لا مساس بحصة مصر من مياه نهر النيل وكأن صنبور نهر النيل موجود عندنا في ميدان التحرير ونحن الذين نتحكم في منابعه .. لا أدري أي ثقة تلك التي يتحدث بها مسؤلينا حفظهم الله من انقطاع المياه من الكومبينيشن والشطاف بعد دخول الحمام نتيجة إسهال قوي

وبمناسبة الصحف والتصريحات .. من الغريب أن الصحف هي الأخرى تتناول الأخبار بطريقة مبتورة تماماً .. فلو صرح أحد المسؤلين وقال: أنا أحب مصر .. تجد أن عنوان الخبر قد تحول فجأة إلى: المسؤل الفلاني يصرح ويقول أنا أحب .. بس كده .. فتتجه أنت فوراً إلى تفاصيل الخبر المثير و كلك فضول لمعرفة قصة الحب تلك التي تجرأ وأعلنها ذلك المسئول فتجدها لا هي قصة ولا هي مناظر .. هذا بالإضافة إلى أن المواطن المصري الذي يستيقظ صباحاً - زي ما احنا عارفين – يجد على الرصيف عند بائع الجرائد جريدتين: واحدة قومية تؤكد أن الحياة بمبي وأنا جنبك وأنت جنبي .. وواحدة تانية أمينة صادقة صريحة بالألوان الطبيعية الداكنة وعندما يفاضل بينهما ليشتري إحداهما .. يفيق ويستغفر ربه ويتجه إلى عربية الفول

ثم يحدث في مصر أن يتحدث العالم كله عن أزمة كبيرة في مصر بسبب نقص المعروض من خام الحشيش المخدر .. هكذا يتحدث الجميع عن هذا الأمر ببساطة وكأننا نتحدث عن نقص في المعروض من السكر والشاي مثلاً .. وكأن الحشيش سلعة أساسية جداً يتعاطاها الجميع قبل الأكل وبعده .. فأتساءل: أين ذهب الحشيش؟

لكنني بعد متابعة دقيقة للأخبار التي أسمعها حين أستيقظ – كمواطن مصري – أستطيع أن أجزم أن مسؤلينا هم من تسببوا في نقص الحشيش في البلاد .. فأنا أتخيلهم الآن في سهرة حشيش جماعية .. مساء الخير .. ويتبادلون الجوزة فيما بينهم .. ثم يصيح كبيرهم بعد أخذ نفس عميق: احنا نعمل ايه في الشعب بكره يا شباب؟ كرررررر (صوت الجوزة) فيرد آخر من بعيد: والله يا معلمي احنا نعلن بكره التوقيت الصيفي .. كررررر .. فيرد آخر من وسط المجموعة: تمام كده .. وأول ما ييجي رمضان نلغيه تاني .. وأول ما يخلص رمضان نرجعه تاني .. فيضحك الجميع .. هع هع هع هااااااع .. مساء الخيييير .. هأو أو أآآو

 
وهكذا كل ليلة .. في كل ليلة يصدرون قرار محششا يختلف عن الآخر .. ويستيقظ المواطن المصري في كل صباح ليتفاجأ بالإبداع والتميز والتفرد في القرارات .. فيختلط عليه الأمر بين اليقين والحلم .. ويعيش محششا هو الآخر في وضح النهار

المهم .. شربت حشيش النهارده؟

التسميات: ,

الأحد، يوليو 18، 2010

حلم مفقود

كان عمي يحبني كثيرا .. كان يعتبرني صديقا له برغم فارق العمر الكبير نسبيا فيما بيننا .. ربما كان ذلك بسبب غياب أولاده للعمل خارج البلاد .. ربما كان يتلمس في صحبتي السلوى والتعويض عما يفتقده من مشاعر الأبوة .. وربما لأنني أنا أيضا أحس بالقرب منه لأنه يشبه والدي في كل شيء تقريبا .. المهم أنني كنت أبادله نفس الحب وأكثر

كنت أشعر بأن عمي يحصي الأيام الواحد تلو الآخر وكأنه يريدها أن تمر سريعا .. كان الوحيد الذي أراه يسعد عندما يمر يوم ويأتي يوم جديد .. كان ذلك على عكس الشعور السائد لدى الجميع بأننا لا نريد للأيام أن تمضي سريعة لأنها دليل على إنقضاء العمر القصير .. فالأعمار قصيرة مهما طالت .. لكن عمي كان يتعجل الأيام وكأنه كان ينتظر أن يحدث شيئ ما ينتظره منذ زمن بعيد

قال لي ذات يوم: تعال معي لأريك شيئا جميلا .. كنت أرى بريق السعادة في عينيه وهو يدعوني لصحبته .. ولم أشأ أن أفسد على نفسي المفاجأة فلم أسأل حينها عن ماهية ذلك الشيء .. ذهبت معه ثم توقفنا بجوار منزل صغير قيد الإنشاء .. دعاني لدخول ذلك المنزل الذي أخبرني أنه يمتلكه الآن .. أخذ يصف لي كل شيء فيه .. قال لي إنه يتمنى أن يقيم هو وأولاده في منزل واحد معا .. إنها حلم حياته الذي حلم به منذ أن كان صغيرا وينتظر الآن أن يتحقق .. أشار إلى الباب الأول وقال: هنا سأقيم أنا وزوجتي بإذن الله .. ثم صعدنا إلى الطابق التالي وأشار إلى الأبواب المتقابلة وقال: وهنا سيقيم أولاد عمك مع زوجاتهم عند عودتهم من الخارج .. سأصعد إلى هنا كل يوم لأطرق الباب الأول وأدخل لأقيم ساعة مع ابني الأول وزوجته واولاده .. ألعب معهم وأستمع لأخبارهم وأشاركهم في حل مشاكلهم .. ثم أخرج لأطرق الباب الثاني لأجلس مع ابني الثاني وزوجته وأولاده .. أتعرف على أحوالهم وأستمتع بصحبتهم .. ثم أنزل إلى منزلي لأرتاح وأنتظرهم جميعا في المساء ليزوروني ونتسامر جميعا حتى منتصف الليل .. وضحك .. فضحكت معه

كان عمي سعيدا جدا وهو يحكي لي عن كل ذلك .. كان يتحدث بحماس وصدق شديدين لدرجة جعلتني أشعر بأنني أعيش كل تلك الأحداث معهم .. أصابني الحماس أنا أيضا لنفس الفكرة وتمنيت لو أن أبي يفعل نفس الشيء معي أنا واخوتي .. بل انني كنت على وشك أن أطلب من عمي أن يوافق لي على أن أقيم معهم في هذا الجو العائلي الجميل .. كنت مستعدا أن أشارك بأموالي في بناء هذا المنزل الصغير الحجم الكبير المعنى مقابل أن أستمتع بذلك الدفء الرائع

لا أدري ما الذي ذكرني بذلك المنزل الآن .. ربما لأنني كنت أزرو أحد أصدقائي بالقرب من نفس المنطقة التي يكمن فيها ذلك المنزل .. الغريب أنني تعرفت على مكان ذلك المنزل بسرعة وتوقفت بسيارتي بجواره .. لم يتغير شكله منذ خمسة عشر عاما وحتى الآن .. ربما فقط أصابه الإتساخ لكنه لا يزال يبدو جميلا ودافئا كما شعرت نحوه منذ زمن .. أبتسم ابتسامة حزينة وأنا أتذكر أولاد عمي الذين لم يعودوا إلى الوطن أبدا .. وأتذكر عمي الراحل الذي رحل منذ سنوات هو وحلمه معا في آن واحد

التسميات:

السبت، يوليو 10، 2010

عسل .. أسود

لم تكن هناك مفاجآت هذه المرة .. نعم لم تكن هناك أية مفاجأت

أعلم مسبقا أن أربعة عشر يوماً لا تكفي لعمل أشياء كثيرة سواء في مصر أو في أي مكان آخر خارج مصر ولا تكفي للحكم على الأشياء أيضاً فهي فترة قصيرة وإن طالت بالنسبة لأيام العمل الطوال

وأعلم مسبقاً أن هناك فوارق نوعية بين الدول التي أتردد عليها بالخارج وبين مصر .. تلك الفوارق تتمثل في أشياء كثيرة وتفاصيل عديدة لا يتسع المقام لذكرها هنا وإن كان يجدر الإشارة إلى أنها تصب في صالح الخارج أكثر من مصر .. لكن هذا ليس موضوعنا الآن

لم أندهش أو أنفعل من أية إستفزازات في أي وقت أو أي مكان .. كنت مستعداً نفسياً لأي شيء وكنت دائما أتوقع الأسوأ .. فكانت النتيجة أنني استمتعت بالإقامة بمصر .. فقد كانت تلك هي المعادلة السحرية التي ساعدتني كثيراً

كانت فترة إقامتي بمصر - رغم قصرها - ثرية بما يكفي لكي أشاهد العديد من الأشياء .. فقد أعددت جدولاً مضغوطاً جداً لا يوجد فيه أي وقت فراغ .. تعاملت مع العديد من المصالح الحكومية وأيضاً شركات الخدمات الخاصة .. مارست فعل قيادة السيارة وما أدراكم ما تعنيه هذه العبارة .. تعاملت مع الطرق المختلفة داخل وخارج العاصمة .. شاهدت أفلاماً سينيمائية وتناولت طعاماً من مطاعم شعبية وأخرى بفنادق راقية .. ترددت على أحياء سكنية لصفوة المجتمع وأحياء أخرى عشوائية في كل شيء .. التقيت العديد من الأصدقاء والأحباب واستمعت إلى العديد من الشكاوى المتنوعة من حال الوطن

كانت فترة إقامتي بمثابة مسح سريع لكافة مناحي الحياة .. فكل شيء في حراك الآن على كافة المستويات .. وكل المسلّمات تتغير وتتبدل بشكل ملفت جدا .. وتظهر لي مصر وكأنها في حالة مخاض قد تسفر عن ظهور مصر جديدة ومختلفة

أكتب هذه الكلمات الآن وأنا على متن الطائرة التي تغادر مصر .. تنتابني مشاعر متضاربة ومتنوعة .. تمتلئ رأسي بالتساؤلات والإستنتاجات المتباينة .. لكنني في النهاية وكما رأيتم جميعا في الفيلم الأكثر من رائع ''عسل أسود'' وصلت أنا أيضا لنفس القناعة التي جاءت في النهاية التي اختتم بها ذلك الفيلم .. كانت النهاية تحمل أغنية حالمة مطلعها يقول: فيها حاجة حلوة

فبرغم كل شيء ورغم كل ما عانيته.. أجزم أنني قد استمتعت هذه المرة بزيارتي لمصر .. لا أستطيع أن أكتب سبباً محدداً أو حادثة بعينها .. ولن أعتصر الأحداث في محاولة مني لكي أكتب كلاماً براقاً لا يسمن ولا يغني من جوع ولن يغير من حقيقة الأشياء شيئاً .. لكنني بعد سنوات الغربة والتجوال والمقارنات أستطيع أن أجزم بأن مصر لازالت فيها حاجة حلوة .. شيء ما نشعر به ولا يمكن وصفه .. أحاول جاهداً أن أصفه وأصيغه في كلمات لكني فشلت .. شيء ما أقل ما يقال عنه أنه عسل .. لكنه أسود

التسميات: ,