شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الثلاثاء، أغسطس 17، 2010

القاهرة التي تلهمني

من الأمور التي يعرفها ممن يهتمون بالكتابة .. أن الأفكار الجديدة دائما ما تكون نادرة ويصعب الحصول عليها بسهولة .. كما أنه من المعروف أن الكتابة لمجرد الكتابة قد تؤدي إلى إنتاج موضوعات تخرج قيصرية .. أي أنها تكون وكأنك تعتصر الحروف والمعاني لتخرج منها شيئا مكتوبا .. فتجده مسخا بدون طعم عند قراءته

لذا أجدني محظوظا للغاية عندما أتعرض لموقف ما أو أتردد على مكان ما فيلهمني بالكتابة .. وأنا أدين بالإلهام الذي يأتيني دائما إلى معشوقتي القاهرة التي يسعدني الحظ مؤخرا بزيارتها أكثر من مرة في العام الواحد .. فالقاهرة هي ملخص شامل لبلادي .. وكأنك ترى مصر كلها بمجرد المرور على القاهرة

ربما كانت تلك مقدمة لابد منها .. وربما تنتظر مني الآن يا عزيزي القارئ أن أردد على مسامعك بعضا من المواقف الكوميدية التي قد تعرضت لها أثناء إقامتي بالقاهرة .. وربما ظن البعض أنني سأكرر ما قلته عن العسل الأسود أو المسؤلين الذين يقررون الأمور في جلسات تعاطي الحشيش .. لكن ليس هذا هو ما أريد التحدث عنه .. فالأمور الغريبة التي تزخر بها بلادنا قد قتلت بحثا في الكتب والمجلات والأفلام والمسلسلات .. وهي جميعها من نوعية الكوميديا السوداء التي تضحكنا من فرط الألم

الجديد هنا هو أمر لم أكن اتخيله على الإطلاق ولم يمر على تفكيري مجرد تفكير .. وهو أمر أراه خطيرا للغاية ألا وهو نظرة الأجيال الجديدة إلى بلادنا مقارنة بالبلاد الأخرى .. فإبني على سبيل المثال لم يشهد مثلي أيام الريادة التي كانت مصر عليها عندما كانت تشع النور والعلم والمعرفة لمن حولها من الدول العربية الشقيقة المحيطة والتي كانت حينذاك لا تزال تحبو لتخرج من الجهل والظلام والتخلف .. يرى صغيري اليوم أن تلك الدول العربية هي الأكثر نظاما ونظافة وتقدما عن مصر .. وقال لي دون أن يعي خطورة ما يقول: إن مصر تحتاج إلى أربعين عاما كي تلحق بركب تلك الدول!

كان وقع تلك الجملة عليَ رهيبا .. فمن الذي يلحق بمن؟ هل وصلنا إلى هذه المرحلة من التدهور؟ لكنني تلمست له العذر سريعا لأنه عندما نشأ وتفتحت عيونه على الدنيا رأى أن مصر تغرق في الإهمال والتخلف والجهل مقارنة بالدول الأخرى .. فهذا الجيل لن تكون لديه نفس المسلمات التي لدى جيلي أنا .. ولن يصدق أحدهم أن مصر كانت لها اليد العليا ذات يوم في التأثير الحضاري على من حولها .. بل سيتمنى يوما أن تتأثر مصر بحضارة تلك الدول المحيطة لتلحق بها .. ويالها من مهزلة .. فالمشكلة أن دفاعاتي أمام صغيري أصبعت ضعيفة ولا تستند على أسس حالية سوى وصف لماض عريق لا يراه ولا يلمسه

كنت أحمل تذكرة طيران فيها توقيت ما للإقلاع وأردت أن أتأكد من صحته لأن مصر كما تعلمون قد غيرت من نظام التوقيت الصيفي إلى الشتوي مرة أخرى .. لجأت إلى الإتصال بدليل التليفونات وهو بحق كان جيدا .. فالأصوات جميلة ومتعاونة للغاية لكن الجميع فشل في مساعدتي .. حتى المطار نفسه لم يستطع أن يجيبني عن صحة موعد إقلاع الطائرة .. مما اضطرني الى الاتصال دوليا بشركة الطيران في الدولة التي سأسافر إليها فأرشدوني عن موعد إقلاع طائرتهم التي ستطير من القاهرة!

وبينما كنت في طريقي إلى المطار سلكنا الطريق الدائري الذي أشيد بأن فكرته بالفعل رائعة .. لكنني تفاجئت بأن مستوى الرصف سيء للغاية وأن تصميم المنازل والمطالع يتسم بالخطأ ويسبب التكدس .. والمفاجأة أننا وجدنا الطريق مغلقا ولا توجد لافتات تحذيريه تشير الى ذلك ولا إلى كيفية السير بعد ذلك .. وحمدا لله أن أرشدنا أحد العمال بموقع العمل على المخرج السحري الخفي وهو غير ممهد بالطبع

المهم أنها جميعا أشياء رائعة لكنها تفسد لأسباب تافهة .. كطبخة جميلة يسوء طعمها بسبب القليل من الملح .. فنحن نبني المدن الجميلة في الساحل الشمالي وشرق الطريق الدائري ثم تنقطع عنها الكهرباء .. نحن نسيّر مترو الأنفاق الحديث ثم يسير الكارو في الشوارع .. وتخرج من المول الفخم لتحتضنك أكوام القمامة خلفه .. اي تناقض هذا في هذا البلد؟ وكيف أقنع صغيري بعكس ما يعتقده الآن؟

القاهرة لازالت تلهمني

اسمعوا معي هنا القاهرة .. علي الحجار وسيد حجاب وعمار الشريعي

التسميات:

الثلاثاء، أغسطس 10، 2010

لكي أذكِرك

كان الجميع يقولون لي أنه شخص غريب الأطوار .. كانت تلك هي الصفة التي تقترن باسمه دائما كلما جاء ذِكره في أي حديث .. لكن لم يخبرني أحد أبداً عن ماهية تلك الغرابة التي تصاحب أطواره! كانوا إذا تحدثوا مثلاعن أكثر الموظفين بذلا للمجهود في شركتنا فإنهم يذكرون اسمه ثم يقولون: ولكنه غريب الأطوار .. كانوا إذا تحدثوا عن النظام والدقة في تفاصيل الحياه فإنهم يضربون به المثل في ذلك .. ثم يتبعونها بجملة: ولكنه غريب الأطوار .. كانت كل الصفات الجميلة يجدونها فيه وكانت كل الأسباب المنطقية التي تفسر ترقيه بسرعة موجودة .. لكنهم لا يزالون يرون أنه غريب الأطوار!

ربما كان ذلك هو ما دفعني للإقتراب منه بدافع الفضول في البداية .. فأنا لا أرى فيه سوى مثال رائع للشخص المنظم المجتهد الحسن الخلق .. كما أنه يتسم بحلاوة اللسان وطيب المعشر .. لذلك لم ألمح في البداية أية أمور غريبة عليه .. إلا أنني بدأت في ملاحظة بعض الأمور الغريبة عندما أصبحنا صديقين وبدأنا في التعرف على بعضنا البعض أكثر وأكثر .. لكنني لم أتسرع في أن أنعته – مثلما فعل الآخرون – بأنه شخص غريب الأطوار قبل أن أسأله عن تلك الأمور الغريبة بعض الشيء .. فربما كان لديه أسبابه التي تفسر تلك الغرابة

ففي ذات يوم كنا قد اتفقنا على أن نلتقي في المساء لتناول طعام العشاء سويا في أحد المنتزهات المطلة على النهر .. كان هو من اختار ذلك المكان المنزوي العجيب .. لم يكن مكانا فخما يليق بوضعه الإجتماعي لكنه أصر عليه بشدة .. كان اصراره على اختيار ذلك المكان دافعا قويا جعلني أحاصره لأعرف سبب هذا الإختيار ثم الإصرار عليه .. تنهد طويلا وهو يشيح بوجهه بعيدا نحو النهر وبدا كأنه سيعترف .. لكنني لمحت بريقا ما في عينيه جعله يصمت ولم يتحدث .. تشجعت وبادرته أنا بالحديث قائلا: يبدو أن لهذا المكان ذكريات غالية لديك .. التفت فجأة إليّ وبدا وأنه سعيد كوني كنت أول شخص يفهم ما بداخله أخيرا .. قال لي: نعم .. فقد كنت ألتقي حبيبتي الأولى هنا في هذا المكان قبل أن أصبح ميسور الحال .. ولا زلت أتوق لاسترجاع صورتها كل حين .. وهو ما يجعلني آتي كثيرا إلى هنا

جاء النادل بعد لحظات .. طلبت أنا كوبا من الشاي بينما طلب هو طلبا عجيبا .. قال للنادل أنه يريد أن يحتسي فنجانين من القهوة الأمريكية وأن يكونا في كوب واحد .. لم يندهش النادل من ذلك الطلب الغريب ورحل عنا .. لكنني لم أترك الأمر هكذا وسألت صديقي عن سبب ذلك؟ لماذا فنجانين من القهوة؟ ابتسم قبل أن يطلق تنهيدة طويلة .. وصمت .. قلت له: هل كانت حبيبتك الأولى تفعل ذلك؟ هز رأسه بالنفي ثم قال .. لم تكن حبيبتي الأولى تحب القهوة الأمريكية .. لكنها حبيبتي الثانية .. كانت تعشق تلك القهوة وهي التي علمتني كيف أتذوقها .. وكنا نتقابل في مقاهي معينة تقدم ذلك النوع من القهوة .. وعندما منعها أهلها من لقائي كنت أذهب إلى نفس الأماكن بمفردي وأحدثها عبر الهاتف .. كانت تطلب مني أن أحتسي من أجلها فنجانا من القهوة .. ومنذ أن انتهت قصة حبنا وحتى الآن فأنا لا زلت أحتسي فنجانين معا .. أحدهما لها والآخر لي .. وذلك لكي أتذكرها دائما

لم تمر نصف ساعة إلا وكان قد طلب طلبا غريبا مرة أخرى .. كنا حينها نختار الطعام الذي سنتناوله .. وبعد أن انتهينا من اختياراتنا إذا به يشدد على النادل ويؤكد أن طعامه لابد وأن يكون خاليا من الملح! لكنني في هذه المرة لا أدري لماذا لم أندهش كثيرا عندما أجابني عن سبب اختياره لطعاما بدون ملح .. لم أندهش عندما قال أن حبيبته الثالثة هي التي جعلته يعتاد أن يتناول الطعام بدون ملح على الإطلاق .. وأن ذلك الأمر يجعله يتذكرها باستمرار عندما يحين موعد كل وجبة طعام صباحا أو مساء

كانت تلك الليلة هي التي عرفتني به عن قرب أكثر وأكثر .. كان المكان والطقس والزمان جميعهم مشتركين في أن يجعلوا منه شخصا مرهف الحس .. لم يخفي عني أي شيء ولم يرفض أن يجيبني على أي سؤال أسأله عنه .. كانت كل الأمور الغريبة التي يقوم بها ذات مغزى وتحرك فيه ذكريات ما .. أدركت أنه قد أحب في حياته خمسة مرات .. أدركت أن غرابة أطواره ليست أمرا شاذا كما يظن الجميع .. فكل الأمور الغريبة التي يفعلها هي أمور من شأنها تجعله يتذكر كل قصص الحب التي عاشها وتمتع بها ولا يزال يريد ألا ينساها .. فقد كان مخلصا لكل فتاه أحبها

قبل أن نرحل من المكان عندما كنا نقوم بدفع ثمن ما تناولناه .. قلت له إن لدي سؤال واحد أخير أريد أن ألقيه عليه .. لكنني لن أسأله .. فأنا أعلم إجابته مسبقا .. ألح عليّ في معرفة ذلك السؤال لكنني رفضت بشدة .. قلت له أنني قد أصبحت قريبا من قلبه وصرت أتفهمه جيدا الآن ولن أحتاج إلى أي تفسيرات أخرى .. وودعته ورحلت عنه

كنت أتعجب في الماضي حينما كنت أبحث عن السبب الذي يجعل صديقي يعيش بدون زواج حتى الآن .. لكن ذلك العجب زال تماما بعدما أدركت أنه يعيش طيلة يومه مع حبيباته الخمس في كافة تفاصيل حياته .. حيث لا مكان لإمرأة جديدة

التسميات: