شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الأربعاء، نوفمبر 24، 2010

إنتخابات .. الفَصل

لا أذكر سوى ذلك المنظر المهيب لوكيل المدرسة وهو يدخل الفصل الدراسي فجأة مقاطعا شَرح المُدرِس الواقف أمامنا .. وكان في نفس الوقت يجر وراءَه إثنين من المُدرِسين الآخرين .. وبعد حوارٍ سريع خرج الوكيل ومعه أحد المُدرِسين الذين أتى بهما وترك الآخر معنا ليتم الإعلان عن توقُف الشرح نظراً لأننا سنشرع في انتخاب مجموعة منا تُمثل طلاب فصلنا .. كان الموضوع برمته مبهماً وعجيباً .. فنحن لم نطلب أن نُميز أحدنا بشيء .. ولا نفهم ما الفائدة التي ستعود علينا من جراء ذلك الأمر .. إلا أننا سَعدنا جدا بتوقف الشرح لنبدأ اللعبة .. لعبة انتخابات الفصل

كان أول منصب سيتم انتخابه هو منصب الألفى .. وهو ما يعني قائداً للفصل أو كابتن الفريق .. نظر المدرسان في وجوهنا جميعاً ثم اختارا معا في وقتٍ واحد زميلنا مُحمد أبو زيد .. كان مُحمد أبو زيد أضخمنا حجماً وأكثرنا شراسةً .. وكان متوسطاً في تحصيله الدراسي .. وكان يستخدم قوته في مضايقة من هم أضعف منه وتحديدا المتفوقين منهم .. لا أدري لماذا وقع اختيارهما عليه ليكون قائداً للفصل؟ فقد كان أغلبُنا يكرهُه .. وكرهتُ حينها لذلك السبب لفظة الإنتخابات .. فقد فهمتُ حينها أن الانتخابات تعني الإختيار عن طريق التزكية

فَرِحَ مُحمد أبوزيد لذلك الإختيار فرحاً شديداً وأعدّه انتصاراً شخصياً لا أدري سببه .. ودَعَم ذلك الإحساس لديه أن كلا المُدرِسين قد أخرجاه ليقف أمامنا ليراقبنا ويكتب أسماء الطلاب المشاغبين أو اللذين يتحدثون مع بعضهم البعض ريثما يقومان بتحضير بعض الأوراق .. كان مُحمد أبوزيد هذا ظالماُ .. فقد بدأ في كتابة أسماء بعض الطلاب اللذين لم يفعلوا شيئاُ .. وهو ما جعلهم يستسمحونه ليشطب أسمائهم من تلك الورقة اللعينة .. فزاده ذلك زهواً واعتداداً بنفسه .. كم أكره مُحمد أبوزيد كلما تذكرتُه .. كلما أشاهد نشرات الأخبار أتذكره .. أعني مُحمد أبوزيد

بعد ذلك قال أحد المُدرسين أننا سنبدأ في اختيار الممثلين الأربعة الآخرين .. وهم المُقرِر الثقافي و المُقرِر الديني و المُقرِر الإجتماعي و المُقرِر الرياضي .. وطلبا أن يتقدم للترشيح اثنان من الطلاب على الأقل لكل منصب منهم .. كانت البداية هي انتخاب المُقرِر الثقافي .. من سيرشح نفسه يا شباب؟ نظرنا لبعضنا البعض فنحن لا نعرف ما هي مهمة ذلك المُقرِر الثقافي؟ وعندما لم يستجيب أحد .. فوجئت بأن مُدرس الفصل يختارني لأرشح نفسي .. كان يعلم أنني من قراء مجلة ماجد الإماراتية بينما يقرأ الأخرون مجلات ميكي أو لا يقرأون أصلاً .. ثم اختارا طالبا فاشلاً آخر ليترشح أمامي .. ثم بدأت عملية التصويت لأفوز بمنصبي باكتساح .. فقد كان زملائي يظنون أنني أكثرهم ثقافةً بالفعل

كل ما أذكره بعد فوزي بذلك المنصب أنهم طلبوا مني أن أقوم في خلال اسبوع بإعداد مجلة للحائط فأعددتها .. وكانت مليئة بالمعلومات القيّمة بالفعل .. قام بقرائتها البعض وتَهَكّم عليها الكثيرون .. والغريب أنني وجدتُها مُمَزقّة بعد أن عرضتها في الفصل باسبوع واحد .. أشم رائحة مُحمد أبوزيد فقد كان عدواً لدوداً للثقافة والتعليم .. كم أمقُت مُحمد أبوزيد كلما طالعتُ الصحف القومية .. أعني مُحمد أبوزيد

كما أنني أذكر أنه في إحدى الحصص الإحتياطية وهي التي يغيب فيها أحد المُدرسين فيأتي أحدهم مكانه .. أرادَ المُدرس أن يُسكتنا وأن يُشغلنا فقال: أين المُقرِر الثقافي للفصل؟ فرفعتُ يدي مُعلناً عن نفسي .. فطَلبَ مني أن أُلقي محاضرةً سريعةً لتوعية زملائي من خطر ما قد يُهدد الشباب .. فتحدثتُ عن السجائر وأضرارها .. لكن لسوء حظي كان هذا المُدرس شرهاُ في التدخين .. بل كان يُدخن السجائر بينما كنت أنا أُلقي محاضرتي .. فما كان منه إلا أنه نحاني جانبا ليحاضر هو بدلا مني فتحدث عن أضرار العادة السرية .. وهو ما لفت انتباه الزملاء بشدة وظلوا صامتين ومشدودين إلى تلك المحاضرة وأيديهم على .. قلوبِهم

أعود مرة أخرى إلى الإنتخابات .. انتخابات الفَصل .. كان انتخاب المُقرِر الديني مسخرة كوميدية بكل المقاييس .. فقد ترشح للإنتخابات اثنان من الزملاء .. كان أحدهما إبناً لإمام مسجد مجاور للمدرسة .. كانت تلك هي كل مؤهلاته الدينية .. وكان هو دائماً من يقوم بتلاوة القرآن الكريم في حصص الدين لأنه يقرأ القرآن قراءة صحيحة وبصوت جميل .. لكنه رغم ذلك كان طالباً فاسداً .. فقد أطلعني ذات مرة على صورة جنسية صارخة ثم خبأها في جيبه العلوي عندما بدأت الحصة .. وكانت الحصة بالصدفة هي حصة الدين وقام فيها بتلاوة القرآن وتلك الصورة الجنسية لا تزال في جيبه! أما الطالب الثاني الذي ترشح لذلك المنصب كان هادئاً وخجولاً لكنه من النوع الزومبجي الذي يوقع العداوة بين الناس عن طريق الوشاية والأسافين .. وكان مداوماً على الصلاة في أوقاتها ناصحا للجميع بالمواظبة على أداء الصلاة بانتظام .. أذكر أننا انتخبنا الأول ليس كراهيةً للثاني بقدر حُبنا الجارف للأول لأنه الذي يمدنا بالصور والمجلات الإباحية كلما احتجناها .. وقد كنا نحتاجها يومياً

كانت فقرة انتخاب المُقرِر الرياضي هي من أطرف الفقرات على الإطلاق .. فقد ترشح لها أربعة من الطلاب دفعةً واحدة .. فقد كان اللعب هو ما يشغل رؤس الغالبية .. وكان الأربعة هم من أمهر لاعبي كرة القدم في فصلنا .. كانت تلك الفقرة الإنتخابية مُمتعةً للغاية .. فقد طفق كل مُرشح يعدُنا بشيء جذّاب .. قال أحدُهم أنه سيقوم بتكثيف وتنظيم مُبارياتنا الكروية أثناء الفُسحة وبعد انتهاء الحصص الدراسية .. ومنهم من وعدّ بأن يشتري لنا كرة كَفَرْ مثل التي نشاهدها في مباريات الدوري .. ومنهم من وعدَ بأن يُشركنا في جميع تقسيمات اللعب .. إلى آخره من وعود .. وكان لكل مُرشح منهم محبوه الذين يُدعمونه .. وكانت الإنتخابات حامية الوطيس وكانت نسب الأصوات متقاربة إلى حد كبير لدرجة أن اثنين منهما تساويا في عدد الأصوات وفاز آخر بفارق صوت واحد .. كانت تلك هي المرة الوحيدة التي أرى فيها انتخابات حقيقة فيها العديد من المُرشحين والوعود الإنتخابية الصادقة والمنافسة المتوازنة الحقيقية

ثم كان الأمر الأصعب وهو انتخاب المُقرِر الإجتماعي .. لم يكن أحد يعلم ما هو دور ذلك المُقرِر الإجتماعي .. حتى المُدرِسَيْن المُشرفين على الإنتخابات كانا قد وجدا صعوبة بالغة في ترشيح أحدنا .. فكلاهما أيضا لا يعرف ما هو دور المُقرِر الإجتماعي ولا كيفية اختياره أو اختيار مُرشحيه! أتدرون ماذا فعلا؟ سألانا إذا كنا نقبل الطالب الهادئ السوسة الذي كان مترشحاُ لمنصب المُقرِر الديني؟ إنه الأكثر هدوءاً والأقدر على حل المشكلات الإجتماعية من وجهة نظرهم .. لم يعترض أحد لأنه لم يهتم أحد .. أدرك الآن أن هذا المُقرِر كان سبباً في تأجيج المشكلات بين الزملاء .. لكن ليس ذلك هو المهم .. كان الأهم هو أننا جميعا نحتاج إلى أطباء نفسيين لمعالجة العديد من الأمور مبكراُ .. فقد أدركتُ عندما كبرتُ أن لكل منا أمراضه النفسية التي توطنت بداخله في الصِغَر فأصبحنا نتقيأها على بعضنا البعض في الكِبَر

لم تنتهى الإنتخابات بعد .. بل تفاجأنا بوجود منصب جديد وهو منصب أمين الصندوق .. وهو صندوق من المُفترض أنه سيحتوي أموالاُ .. يبدو ذلك من اسمه .. لكن من أين ستأتي تلك الأموال؟ ما هي مصادرنا للتمويل؟ لم يجب أحد .. لكن المنصب كان مُغريا للجميع فهو منصب سيتحكم فيه صاحبُه في أموال والسلام .. وما أن فتحوا باب الترشيح .. صرخ مُحمد أبوزيد بأنه الأحق في تولي هذا المنصب بالإضافة إلى مسؤلياته كقائد للفصل .. وافق المُدرسان على طلبه فوراُ لا أدري لماذا .. حينها أدركت أن الصندوق ستكون فيه أموالاً بالفعل .. وسيتم جبايتها منّا نحن قهراُ وبالقوة .. وهو ما حدث بالفعل .. كم أكره مُحمد أبوزيد .. لكنني لم أفعل شيئا سوى أنني كَرِهتُه فقط

التسميات: ,

السبت، نوفمبر 13، 2010

أُسطورة

تحكي الأُسطورة عن أنه قد خُلِقَ لكلِ رجلٍ في الكون امرأة تناسبه تماما في كل شيء .. تتفق معه وتتوافق معه في كل طباعه وتصرفاته وعاداته .. تتحمله وتتفهمه في لحظات جنونه ولحظات انتصاره ولحظات انكساره .. امرأة تُشعره بأنها أنثاه التي يشتهيها وأمه التي تحتويه وأخته التي تنصح له وابنته التي تعتمد عليه

تحكي الأسطورة عن أنه قد خُلِقَ لكل رجلٍ امرأة يحلم بها ويفتش عنها في كل مكان وينتظر أن يجدها كل يوم .. هي الحلم والأمل والسحر والعشق .. هي أقصى الأماني وأغلى الناس .. لكنه غالبا لا يجدها سوى القليل

تحكي الأسطورة أن لكل رجلٍ امرأة يرسل إليها في كل يوم رسالة ويطويها ويضعها في زجاجة ويغلقها بإحكام ثم يرميها في البحر على أمل أن تتلقاها امرأته ذات يوم وتتعرف على مكانه

تحكي الأسطورة أن لكل رجلٍ امرأة ترسل إليه هي الأخرى كل يوم رسالة مطوية محفوظة في زجاجة محكمة الإغلاق .. لذلك ينتظر كل رجل أمام الشاطيء كل يوم لمدة ساعة عند الغروب على أمل أن تقذف إليه الأمواج ذات يوم رسالة من امرأته تخبره بمكانها .. أو تخبره بأنها قد استلمت رسالته وستأتي إليه

تحكي الأسطورة عن أن هناك رجالاً وجدوا المرأة التي خُلِقَتْ لهم لكن بعد فوات الأوان .. أو أنها كانت قريبةً جدا وليست على الشاطيء الآخر للبحر كما كان يظن .. لكن سوء الحظ هو الذي جعله يبحث عنها هناك بينما هي كانت دائماً هنا

تحكي الأسطورة أنه سيأتي يوم ما ستسكن فيه أمواج البحر إلى الأبد بسبب امتلائه بعدد لانهائي من الزجاجات .. حينها سيتمكن كل رجال الأرض من الإبحار في مياهه الساكنة فيعبرونه نحو الشاطئ الآخر ليلتقي كل رجل بامرأته التي خلقت له .. فلا يجدون أحداً هناك

التسميات:

الخميس، نوفمبر 04، 2010

عندما فشلتُ في الإختبار

حدث ذلك في آخر يوم من أيام عطلتي السنوية التي أقضيها بالقاهرة .. كنت أقود سيارتي في شوارع القاهرة وقت صلاة الظهر عائداً من وسط القاهرة إلى منزلي بالجيزة حيث سأصطحب حقائبي بعد ذلك متوجهاً إلى المطار لأسافر بعدها إلى خارج البلاد حيث محل إقامتي وعملي

يكفي أن أقول شوارع القاهرة لكي تتخيلوا الحيز المكاني للأحداث .. إنه ظرف مكان لا يحتاج لتفسير أو وصف تفصيلي .. لا يوجد معنىً أو لفظ لُغوي يمكنه أن يصف قيادة السيارات في شوارع القاهرة .. إنه إحساس بالحالة والأجواء والمصير

أما وقت الظهر فهو ظرف زمان وهو أيضاً لا يحتاج لتفسير إذا عرفت أنني كنت في القاهرة حيث وقت الظهيرة هو وقت ذروة كل الأشياء .. هي حالة أخرى وأجواء أخرى لا مثيل لها في أي مكان في العالم

وفي هذه الساعة كنت أتحدث عبر هاتفي المحمول وكانت المكالمة تخص أمراً هاماً في العمل .. فإذا بي أتفاجأ أمامي تماماً بأحد أمناء الشرطة يستوقفني ثم يقترب من نافذة سيارتي قائلاً أنني أخالف الأنظمة بسبب تحدثي عبر الهاتف المحمول أثناء قيادة السيارة .. وطلب مني أن أقدم له رخصتيّ القيادة والسيارة .. كانت المكالمة مهمة جداً بحق وتساوي أن أخسر بسببها بعضاً من المال كمخالفة .. فقد كنت أتحدث عبر الهاتف عن مناقصة تقدر ببضعة ملايين من الجنيهات وبالتالي فالأمر يستحق أن أضحي بعشرات أو مئات الجنيهات

كان أمين الشرطة قد طلب مني أن أُنحي سيارتي جانباً حتى يعرض أمري على ضابط الشرطة الذي يرأسه والذي يقف على بعد عشرة أمتار منّا .. لا أدري كيف تذكرت فجأة هويتي المصرية الأصيلة .. ربما لأنني تذكرت أنني لا أستطيع التعطل كثيراً في ذلك المكان لأن لدي رحلة طيران دولية بعد ساعات قليلة ..

ربما هي الجينات التي طفا تأثيرها على السطح بمجرد التعرض لظرفيّ المكان والزمان اللّذان تحدثت عنهما قبل قليل .. المهم أنني وجدت نفسي أقول للباشمهندس أمين الشرطة: الله يخليك ياريت تخلّصني عشان أنا مستعجل .. وأنا هراعيك .. وكانت تلك هي كلمة السر التي حوّلت عُبوسه إلى ابتسامة جميلة ثم أردف قائلا: انتظرني خمس دقائق ثم عُد إليّ مرةً أخرى

عندما عُدتُ إليه بعد الخمس دقائق .. قال لي أنه أبلغ الضابط أنه كان فقط يتحقق من صحة وصلاحية رخص القيادة والسيارة .. وأنني يمكنني الحصول عليهما من الضابط الآن .. نفحته فوراًعشرين جنيهاً وقد كان يتمنع في أخذها .. أحلى من الشرف ما فيش كما تعلمون

ذهبتُ إلى الضابط لأحصل على الرخصتين فقال لي: أنا لا أعلم ما هو الإتفاق الذي تم بينك وبين أمين الشرطة كي يتركك هكذا دون أن يوضح لي نوع مخالفتك .. لكني أؤكد لك أنك أنت وأمثالك هم من يُشجعون أمثال هؤلاء على طلب الرشوة

كان كلام الضابط منطقياً جداً .. لكنني في نفس الوقت لم أكن أعرف هل هو صادقٌ فيما يقول لي؟

هل هو بالفعل لا يعلم ما الذي فعله أمين الشرطة معي؟

ربما كان نعم وربما كان لا .. أو ربما أني أدافع عن فعلتي باتهامه .. لقد شقّ الأمر على نفسي كثيراً وتمنيت لو لم أفعله

لقد كنت متعجلاً جداً للرحيل فلديّ رحلة دولية عمّا قليل .. لم يكن لدي الوقت الكاف لكي ألوم نفسي أو أزكيها .. دوماً أريد أن أكون طرفاً من أطراف الإصلاح في هذا البلد لا معاوناً على الهدم .. وبين شكي في كل الناس وبين سوء الظن وحسن الظن وبين صراعي الداخلي بين مصلحتي الخاصة والمصلحة العامة .. أجد نفسي أرحل مرة أخرى دون أن أجد الوقت الكاف للتقييم والمشاركة ومن ثَمّ التأثير .. وسافرتُ كالعادة على أمل أن يأتي اليوم الذي أتمكن فيه من عمل كل ذلك .. مازال هناك أمل .. أرجو ذلك

التسميات: