شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الأربعاء، فبراير 23، 2011

ثلاثة وثلاثون ساعة في القاهرة

نعم، لا يوجد خطأ في عنوان المقال، فأنا أقضي أحياناً عشرة ساعاتٍ فقط في القاهرة، وأحياناً أربعة وعشرين ساعة، وربما يُسعدني الحظ مثل هذه المرة فأمكثُ فيها أكثر من يوم، إنها القاهرة التي أُحب معنى اسمها كثيراً، وهي من أكثر المدن التي أسافرُ إليها على الإطلاق، لكنَّها من أقل المدن التي أُبيت فيها على الإطلاق أيضاً، ولكنَّ هذا شأنٌ خاص وله حديثٌ آخر

كانت القاهرة هذه المرة مُختلقةً جداً، كُلُّ ما فيها غريبٌ وجديدٌ، تلمَّستُ ذلك منذ لحظة خروجي من الطائرة ومروراً بكُلٍّ الوجوه التي صادفتني، وكذلك عند احتكاكي وتعاملاتي مع الجميع أثناء التنقلات والشراء والإجتماعات، إنَّها آثار الثورة التي لم يتوقع حدوثها أحد، ولم يتنبأ بنتائجها أكثرُ المُتفائلين والمُحللين السياسيين، ولا زال الجميع يتجادل بشأنها وبشأن ما سيأتي بعدها، والكُّلُّ لم يزل في حالة ترقب

صار الجميع يتحدث في السياسة، وصار لكُلِّ فردٍ رؤيته وقناعاته، منهم من يستقي تلك القناعات من الآخرين، ومنهم من يؤسس لنفسه قناعاته الشخصية، كما أنني لمستُ بنفسي أنَّ الكُلَّ يتفقُ على حتمية تطبيق الديمقراطية، لكن عدداً كبيراً من هؤلاء الجمع يتخذُك عدواً لمجرد أن تتلفظ برأيٍ مخالفٍ لرأيهم، إنهم يحبون الديمقراطية لكنَّهم لا يستطيعون أن يمارسونها بعد، أتلمس العذر للجميع، وأبتسم

حمدتُ الله كثيراً أنَّنا من الدول القلائل التي لديها مرجعية مُحترمةً متمثلةً في هذا الجيش القوي وذلك المجلس العسكري الأعلى، فهناك العديد من الدول التي زرتها شرقاً وغرباً لا توجد لديها تلك المرجعيات العسكرية، ولا تلك الخبرات الحربية العريقة، وكم من دولٍ قريبةٍ منَّا تُعَدُّ بدون حماية تقريباً إذا ما تعرضت لخطر، والأمثلة كثيرة

وعندما يتحدثُ الناسُ عن الجيش، رأيتُ الكثيرين يتعجلون ويضيق صدرهم من رجالات الجيش لأنهم لم يقوموا بكُلِّ الإصلاحات اللازمةٍ فوراً، وهنا كانت لي ملاحظتين، أولهما هي كيف لنا أن نتعجَّل أن يقوم الجيش بإصلاحات أفسدتها عقودٌ طويلةٌ متراكمةٌ ومتشابكةٌ في أيامٍ قليلة؟ أي عقلٍ في هذا المطلب؟ وخصوصاً أن الفساد كان قد استشرى في جميع تفاصيل الحياة بكافة طبقاتها؟ وثانيهما أن الجيش ليس الخبير الأول في كافة مجالات الحياة من زراعة وصناعة وتجارة وتعليم واقتصاد وغيره، فلابد له من التأني والإستعانة بالخبراء في كافة مجالات الحياة، ويتوجب علينا ألا نُحمَّل الجيش فوق طاقته، أو أن نُحمِّلُه مالا يستطيع أن يعمله خارج تخصصه، لكن كيف تصل هذه الرسالة لشعب مكبوتٍ خرج كالمارد من القمم حديثاً؟ أتلمس العذر للجميع، وأبتسم

كان هذا عن الجيش، أما عن الشعب، فمثلما تغيرت طبائع الكثيرين إلى الأفضل، ومثلما صارت الثورة هي كلمة السر التي تستطيع أن توقف بها أي شخص يقوم بعمل سيء، ومثلما تجددت في مصر روح تعاونية جميلة بين الناس كانت قد اختفت وسط الأنانية المفرطة فيما سبق، كانت هناك سلبيات أُخرى تتمثل في أن التشكيك في كُلِّ شيء صار أمراً منتشراً للغاية وبشكلٍ يفوق التصوُّر، وقد تلاسن الكثيرين بالفعل لدرجة أنَّ هناك العديد من الناس لن يستطيعون التعامُلَ مع بعضهم البعض مستقبلاً، وعلى نفس القياس، فمثلما غيَّرت الثورة من الناس وكسرت حاجز الخوف بداخلهم، ومثلما صاروا يعرفون حقوقهم وواجباتهم ولا يُفرِّطون فيها مُجدداً، إلا أنَّ هناك من تخطوا تلك الشعرة الدقيقة بين الجرأة والوقاحة، فوجدنا من يتطاولون على أي شخصٍ لدرجة أن هناك مرؤسين صاروا لا يطيعون أوامر رؤسائهم في العمل، وأصبح ذلك أحياناً على مستوى من يعملون أعمالاً تندرج تحت بند تأدية خدماتٍ للآخرين أيضاً، وواجهنا مطالب فئوية منها ما هو معقولٌ وعادلٌ ومنها ما هو خارج حدود المنطق، وهو ما يتنافي مع قِيَم الثورة المصرية النبيلة، وهو ما أتمنَّى ألاً يستمر كثيراً وإلا استيقظنا على مجتمعٍ جديدٍ لن يستطيع أفراده أن يتعاملوا مع بعضهم أبداً، فقد خلق الله الناس طبقاتٍ ودرجاتٍ، وفضَّل بعضهم على بعضٍ

أتمنى أيضاً أن يفيق الجميع وأن ينتبهون إلى عجلة الإقتصاد، ففي وسط النشوة والفرحة بتلك الثورة الجميلة، لابد لنا أن نعيَ أنَّ الإقتصاد هو عصبُ الحياة، وإذا توقفت عجلة الإقتصاد في مرحلةٍ ما سيظهر تأثيرها السلبي لاحقاً فيما بعد، ولكي أُقرب إليكم الأمر أكثر، تخيلوا معيَ مخبزاً يقومُ بإعداد الخبز وبه مخزونٌ من الدقيق يكفيه لمدة عشرة أيامٍ مثلاً، إذا توقف المطحن ذات يومٍ عن امداد المخبز بالدقيق، ربما لن يشعر الناس بشيء، ذلك لأنَّ المخبر لا زال يُقدم للناس الخبز بشكلٍ طبيعيٍ لمدة عشرة أيام مُعتمداً على المخزون السابق، وما أن يأتي اليوم الحادي عشر سيكتشف الناس اختفاء الخبز، وهكذا الإقتصاد، لابد أن تكون عجلته في حالة دوران مستمر حتى لا تتوقف ذات يومٍ فيما بعد

هناك حقيقة أُخرى مؤلمة، تظهر تلك الحقيقة كُلَّما تمَّ ترشيح اسمَ شخص ٍما لتولي منصب ما، فما أن يتم الترشيح اذا بالكثيرين يُفندون مساوئ ذلك الشخص المقترح ويعددون السلبيات فيما كان في تاريخه سابقاً، ينسى الجميع أنَّنا كُنَّا جميعاً نتفاعل مع النظام السابق بطريقةٍ أو بأُخرى، نسيَ الجميع أنه لكي تعيش في مصر فإنه كان يتوجب عليك أن تتعايش مع كُلِّ ما هو متعلقٌ بذلك النظام البائد، فالآلاف كانوا يعملون في مصانع وشركات يمتلكها هؤلاء ممن تم القاء القبض عليهم الآن، والكثيرين منَّا كانوا يقومون بدفع الرشاوي ويبحثون عن الواسطة لقضاء أعمالهم، فالجميع مُدان ولا ريب، تذكرتُ ذلك وأنا أرى أحد المؤرخين الكبار الذين عاصروا فترات حُكْم جمال عبد الناصر والسادات، كان يتحدث ويُحلل ما حدث أثناء الثورة ويتشفَّى في مُبارك وكأنَّه ملاكٌ نقيٌ من أية شائبة، رغم أنَّني أعرف جيداً عن هذا المؤرخ أنَّه كان فيما مضى يغضُّ الطرف عن أحداثٍ جسيمةٍ كعزل عبد الناصر لمحمد نجيب واندثار ذكره، ورغم أنَّني أعرفُ جيداً أيضاً أنَّ هذا المؤرخ له ابنٌ هو رجل أعمال شهير يمتلك احدى بيوت التمويل المليارية العجيبة التي ظهرت فجأة وتقاطعت مع مجال عملي ذات يوم، وهو من أحد المُستفيدين من عهد مُبارك، وأضع أنا والجميع عليها علامة استفهام كبيرة عن مصادر أموالها وصفقاتها المُريبة

المهم، انتهت زيارتي القصيرة لمصر بسرعة، لكنَّها كانت بالنسبة لي بمثابة ثلاثة وثلاثون يوماً وليس ثلاثة وثلاثون ساعة، أرتقي سلم الطائرة وأنا أنظر إلى القاهرة من خلفي قبل الرحيل مرةً أخرى، أجدني أقول في نفسي: صبراً شعب مصر، فالأمور تحتاج لوقت ليس بالقليل كي تنضج، ولن تكون النقله للأفضل فجائية، ولن تكون مصر هي المدينة الفاضلة بين يوم وليلة، لكنَّني متأكدٌ من أن الغد لن يكون أبداً أسوأ من الماضي، بل بإذن الله أفضل

التسميات:

الجمعة، فبراير 11، 2011

تَنَحِّي مُبارك عن حُكم مصر


وكأنَّنا نعيشُ حلماً ساحراً
إنَّهُ يومٌ للتاريخ والتأريخ وهذا يكفي الآن
تنحَّى اليوم "مُبارك" عن الحُكم في مصر
وندعو الله عزَّ وجل أن نرى مِصر أفضل بإذن الله 

التسميات:

الأحد، فبراير 06، 2011

تعادُل بِطَعم الفوز

لنتفق من البداية، لا أتحدث هنا عن تحليلٍ سياسي أو شرحٍ للمواقف، فقد تشبعنا بِكَمٍ ضخمٍ من التحليلات والرُؤى والمناظرات، لكنني أتحدث هنا عن زاويةٍ جديدةٍ من خارج الصندوق رُبما خَفيَت عن البعض وسط الأحداث التي عصفت بنا ولم تهدأ، فالثورة المصرية لعام 2011 كانت ولا تزال وستظَّل هي أعظم الثورات المصرية على الإطلاق في كُلِّ جوانبها، إن لم تكن من أعظم الثورات في العالم أجمع

علمتني الثورة الكثير الكثير، وأهمُّ ما تعلَّمتُه هو أن الغضب قد يُشوَّش تماماً على العقل ويُعمي البصر ويؤثر على نقاء البصيرة، وهو ما رأيناه – ولا زلنا نراه – من احتدادٍ رهيب في النقاشات اليومية بيننا جميعاً، والتي وصلت جميعُها إلى الحدِّ الذي يُفرِّق بين الناس وبعضهم البعض، برغم أن الصورة واضحة وبرغم أن الأمور أصبحت إلى حدٍ كبير مُحدَّدة

أتدرون لماذا لا زلنا نتناقش بحدَّة حتى الآن؟ أتدرون ما السر وراء تلك المَكْلَمَةِ العظيمة التي لا تنتهي بين الناس؟ إنها الصدمة والهوَّة التي تفصل بين الأحلام والواقع، بين الأُمنيات والإنجازات، بين الطموح والإمكانيات، بين القلب والعقل

تخيلوا معي أننا في مباراة لكرة القدم في كأس العالم وتفاجأنا بأننا في الإفتتاح قد انتصرنا على البرازيل وهي الأولى في اللعبة على مستوى العالم مثلاً بهدفٍ للاشيء، أتدرون ماذا سيحدث حينها؟ سيرتفع سقف الأحلام وسيأتي من يقول أننا من المُمكن أن نحصل على كأس العالم، فإذا جاءت المُباريات التالية تَكَشَّفَ لنا أن مُستوانا لا يرقى لذلك وستكون هزيمتنا صادمةً وبشدَّة

كُنَّا جميعاً نحن والثوار نحلم بنصرٍ ساحقٍ، ستة أهدافٍ مقابل لا شيء، وكنتُ معهم أحلم بأعلى سقفٍ ممكنٍ للأحلام، لكنَّنا نسينا أنَّ هناك أمورٌ أُخرى في المُقابل تحول بيننا وبين ذلك النصر الساحق، ولا أريد أن أتحدث عنها بالتفصيل هنا، فمقالي هذا ليس تحليلاً سياسياً للموقف

درسنا ذات يومٍ في كُلية الهندسة أنك إذا ربطت حجراً بسبعة حبالٍ من أطرافٍ مُختلفةٍ ثم أخذ كُلُّ رجل يشد طرفاً من الحبال كُلُّ في اتجاهٍ مخالفٍ، فإن الحجر سيتحرك في اتجاهٍ ربما لا تتوقعه أنت أبداً، إنه سيتحرك في اتجاه مُحصلة القوى المُختلفة، والتي يتخلف كل منها في حجم قوته واتجاهه

هذا هو لُبُّ القصيد، فكُلُّ طرفٍ يظنُّ أن الحجر سيتحرك – أو لابد أن يتحرك – في إتجاهه هو فقط، مُتناسياً أن هناك أطرافاً أُخرى مُتعددة تُريد أن يتحقق لها نفس الأمنية، وهو ما يدل على أن الجميع لا يعرفون أن العدل البشري (وليس العدل الإلهي) ما هو إلا تحقيق التوازن بين المصالح المُتعارضة، حتى وإن كان بعض المصالح تلك لا تنطوي على فطرةٍ سليمةٍ، ولا عجب أبداً فيما أقول، فتلك هي سُنَّة الحياة، وتلك هي طبيعة الأشياء، فقد خلق الله تعالى الحقَّ والباطل، ولا تأتي الريح بما تشتهي السفن دائماً، وليس كُلُّ ما يتمناهُ المرء يُدركه

كنتّ أتمنى مثل الجميع نصراً ساحقاً للثورة، يتغيَّر فيه النظام العسكري الحاكم بأكمله، وأن أرى دولةً مدنيةً ديمقراطيةً يحكمُها الدستور الذي سنتفق جميعاً عليه، ويختفي منها الفساد والمصالح الخاصة، وأن نتخلص من المصالح الدولية الحقيرة التي تلوث بلادنا منذ عقود

لكن الأمر ليس بهذه السهولة، وليست كُلُّ كروت اللعبة في أيدينا، إنها لعبة الشطرنج اللعينة التي لا تستطيع أن تُحرَّك فيها قطعةً واحدةً بدون أن تدرس تأثير بقية القطع المُنافسة على ذلك التحرك الذي تنوي عملُه، وللأسف دائماً ما تكون قُدرة الفرد الواحد على الصمود ضعيفة أمام عجلة الحياة والحاجة إلى دورانها

يكفي هذه الثورة شرفأً أنها قد حرَّكت المياه الراكدة، وأرغمت النظام على العديد من التنازلات التي لم يكن أبداً يُفكِّر أن يقوم بها ذات يومٍ، كما يكفي هذه الثورة فخراً أنها قد كسرت الحاجز النفسي بين الشعب والنظام وإلى الأبد، وأنا على يقين من أنَّ المسؤلين سيقومون بأداءٍ أفضل مُستقبلاً، خوفاً من شعبٍ عظيم ظهر أخيراً أنَّه ليس قطيعاً من النعاج يُمكن أن يسوقه أي شخص في أي اتجاه

أستخلصُ من هذه الثورة أنَّ هذه الجولة قد انتهت بالتعادل، لم يتحقق النصر الكامل الذي حلمنا به هذه المرة، وسيحتاج الامر إلى جولةٍ أخرى ومباراةٍ أخرى، كانت النتيجة هذه المرة تعادلاً .. لكنهُ بطعم الفوز

التسميات: