شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الثلاثاء، سبتمبر 20، 2011

حنين تدويني

رُبما تكون هذه التدوينة حالمة بعض الشيء في زمن لم يعد هُناك فيه مكانٌ للحالمين، كما أنَّها تأتي في توقيت يسود فيه التوتر والترقب والحذر من كل شيء. رُبما هي لحظات نادرة من التأمل تنتابني لفترة قصيرة وسريعاً ستختفي في زخم الحياة، مثل أي شيء آخر يولد فجأة ونحن لا ندري ما هي احتمالات استمراريته أو فناؤهأتذكر تلك الأيام التي كان النشاط التدويني حينها في أقصى مُعدلاته، فبرغم ولادة التدوين في عام 2005 إلا أن العصر الذهبي له كان خلال العام 2007 والعام 2008 عندما أصبح التدوين مُلتقى للجميع كمقهى أدبي يضم المُدوِّنين كل يوم، ولدرجة أن التعارُف بين الناس كان يتم عبر التعليقات والردود عليها داخل التدوينات، وأعني بالتعارف هو معرفة العُمر والحالة الإجتماعية ومجال العمل وعدد الأبناء وخلافه، كان كل ذلك قبل أن تظهر مواقع التعارف الإجتماعي كالفيس بوك وغيرها والتي توَّحشت وجذبت العديد من المُدوِّنين وأبعدتهم بعيدا عن مدوناتهممرَّت خمسة أعوام وتبدل الحال تماماً عمَّا كان، طحنت الحياة العديد من المُدوِّنين بين رحاياها وانعكس ذلك على تدويناتهم يوماً بعد يوم، إلى أن اختفى العديد منهم تماماً، واتجه البعض منهم إلى الإهتمام بالنشر الورقي عبر الصُحف أو الكُتب، وقلَّ انتاج البعض الآخر ممن أصبحوا يظهرون بتدوينة جديدة بين فترة وأُخرى على استحياء، وتغيَّرت أرواح مدوَّنات أخرى بسبب تغيُّر ظروف وأحوال أصحابها من المُدوِّنين، وهو ما سبب لي أكبر الأسف
أتذكر مثلاً العديد من المُدوِّنين الذين لمعت مُدوَّناتهم عندما كانوا طلاباً في الجامعة وكانت تدويناتهم تمتلئ بالمواقف المرحة والحكايات الطريفة والتي تتسم بالبساطة في تناول الموضوعات المطروحة على الساحة، كانت تدويناتهم مُنطلقة وتدعو إلى التفاؤل، فالمُستقبل من أمامهم يفتح ذراعية تاركاً جميع الإحتمالات والأحلام والطموحات مُتاحة بلا استثناء، هكذا كانت الروح المُسيطرة على تدويناتهم، أما الآن وبعد خروجهم إلى واقع الحياة العملية، تبدلت تلك الروح الجميلة في تدويناتهم، وصار كل منهم (أو من استمر منهم) يبث همومه عبر المدوَّنة سواء كانت بسبب مشاكل العمل أو تبعات الزواج و الأطفال أو المُتطلبات المادية أو واقع الفساد الذي يسري داخل أوصال المجتمع في أسفله أكثر من أعلاه كنت دائماً أدَّعي أن التدوين يعكس حالة المجتمع تماماً كمرآة جديدة لم تكن موجودة قبل ذلك، بل إنني أكاد أجزم أن التدوين يُعَّدُ الأكثر صدقاً من كافة المرايا الأُخرى التي كانت موجودة قبل ذلك كالصُحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون والسينما والقنوات الفضائية، وذلك لأنها تُعبر عن نبض الجماهير الحقيقي التلقائي دون تَكلُّف، وإن كان انعدام الرقابة والحرية المُطلقة يعيب التدوين مثلما يُميزه في نفس الوقتوالآن وبعد أن تحققت رؤيتي عن إنعكاس الواقع عبر التدوين، أجدُني أتمنى لو لم يكن قد تحققت تلك الرؤية بالفعل، وذلك لأنني أحزن على انطفاء العديد من المُدوِّنين وتَحَوُّل العديد منهم من أقصى درجات التفاؤل إلى مناطق داكنة من واقع الحياة المؤلم، وهو ما نقرأه عبر تدويناتهمأما أطرف ما في هذا المقال، هو أن كاتب هذه السطور يتحدث عن كل ما سبق كما لو كان هذا الكلام لا ينطبق عليه هو الآخر! ابتسم من فضلك

التسميات: