شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الأربعاء، أكتوبر 26، 2011

فيها حاجة حلوة


كانت تلك هي رحلتي الدولية رقم 202 وهو رقم مُميز بلا شك، لكن المسألة لم تكُن في الرقم نفسه بقدر المُصادفة التي دفعتني دونَ ترتيب لكي أستقل طائرة ''مصر للطيران'' بعد خصامٍ طويل دام أعواماً عديدة
نعم، كُنت أكره وأتجنب السفر على طائرات مصر للطيران لأسبابٍ عديدة لا أُنكر أن أغلبها لازال موجوداً ولم يتم علاجها بعد، لذلك عشت أعواماً طويلة أُسافر فيها عبر الطائرات الأجنبية والعربية، ولا أتعامل إلا مع أطقُم الطيّارين والمُضيفين الأجانب باستمرار، ولا أتحدّث باللغة العربية إلا نادراً
التاريخ والموعد والمكان فرضوا عليَّ أن أستقل هذه الطائرة بالتحديد، لم تكُن هُناك خيارات أُخرى مُناسبة لتلك الظُروف مُجتمعة، وما أن وصلت إلى مكان الطائرة إذا بي أجدها طائرةً مِن النوع المتوسط الحجم والتي لا تتناسب (مِن وجهة نظري) مع تلك المسافات الطويلة، فهي لا تكون مُستقرة في الجو كما ينبغي وتحديداً عندما نعبر بحراً كبيراً أو عندما نمر فوق قمم الجبال الضبابية، أرتاح أكثر لأن يكون حجم الطائرة كبيراً في مثل تلك الرحلات الطويلة
كُنت أصعد سلم الطائرة وأتأمل في جسم الطائرة، تبدو الطائرة قديمةً بعض الشيء وتبدو بعض الأجزاء وكأنها مُجهدة من كثرة الإستعمال أو انعدام الصيانة، تبدو البداية غير مُطمئنة، لكنني أعرف أن الطائرات هي وسيلة النقل الأكثر أماناً على الإطلاق، ويتم تغيير أجزاءها وفق عدد مُعين من ساعات التشغيل، ووفق جداول زمنية للصيانة يتم اتباعها بدقةٍ متناهية
دخلتُ إلى الطائرة لأجد طاقم الضيافة المصري وبينهم قائد الطائرة المصري أيضاً يُرحبون بالمُسافرين، كان قائد الطائرة يتبادل النكات وقد ترك باب كابينة القيادة مفتوحاً دونَ اكتراث، ولم يكُن مُهتما بمُتابعة بعض القياسات الهامة قبل الإقلاع، شعرتُ حينها بالفهلوة المصرية وابتسمتُ له، بل إنني ألقيتُ على مسامعه نُكتة أُخرى رداً على نكاته فضحك، تأملت طاقم الضيافة وقارنت بينهم في مُخيلتي وبين أطقم الضيافة العاملين في الطائرات الأجنبية الأُخرى، لم أجد بالطبع تلك الأجسام الممشوقة القوام، ولا الملابس القصيرة الساخنة، ولا ألوان الشعر الذهبية والبُنية،ولا ألوان البشرة الناصعة البياض، لكنهن جميعاً كًنَّ يُشبهن أخواتنا وعمّاتنا وخالاتنا، شعرتُ وكأنني في اجتماعٍ عائلي ولستُ في رحلةٍ جوية
كانت الرحلة جيّدة على عكس ما توقعت، صحيح أنني لم أجد تلك الفخامة التي أعدتها على متن الطائرات الأجنبية، لكن ما أعجبني هو أنهم كانوا يحاولون تقليد تلك الطائرات الأجنبية ولكن عبر حلولٍ وابتكاراتٍ تتسم بالبساطة وخفة الدم، كما أن التحدث إلى الطاقم باللهجة المصرية جعلني أشعر بالحميمية وجو العائلة الذي أفتقده مُنذ زمنٍ بعيد، كُنت أشعر وكأنني أجلس في مقهى شعبي داخل أزقة القاهرة، وشعرت (رغم صغر حجم الطائرة) بأنني في أمان لأن قائد الطائرة المصري سيبتكر وسيُحسن التصرف إذا حدث مكروه، ومرحباً بالفهلوة حينئذ
أعترفُ بأنني استمتعت بتلك الرحلة بشكلٍ كبير لم أعشه مُنذ زمنٍ بعيد، وبرغم أنها أقل فى المُستوى مما اعتدته، وبرغم أن الطابع الغالب على كُل شيء كان شعبياً خالصاً، إلا إنني شعرتُ بأُلفةٍ شديدةٍ ونشوةٍ جميلة لأشياء افتقدتها، كانت رحلة ''مصر للطيران'' بالنسبة لي مثل ''مصر'' تماماً، فبرغم كُل عيوبها ومشاكلها، وبرغم كُل مساوئها وهمومها، تظل وكأنها تجري في دمائنا تحت جلودنا دونَ أن نشعر، تظل جُزءاً مِن تكويننا لا تشوِّهُه أيّة حياةٍ خارجيّة، تظل دائماً .. فيها حاجة حلوة .. والله العظيم حلوة