شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الأحد، يوليو 15، 2012

رائِحَتُه

كانت لا تزال تُحاول أن تستيقظ مِن نومها الهادئ، وكانت لم تفتح عيناها بعد، تقلَّبت في فراشِها برشاقتها المعهودة ثم استنشقتْ الهواء بعُمق، كانت وكأنها تجذب كُل الهواء المُحيط بها لتستودعه بداخل رئتيها، ابتسمتْ ثم فتحت عيناها، انتفضت وتحولت إلى وضع الجلوس فجأة وكأنها قد وجدت شيئاً، نظرتْ حولها قليلاً ثم أخذتْ نَفَسَاً طويلاً أكثر عُمقاً مِن السابق، أغمضت عينيها مُجدداً وكأنها تستمتع بذلك الشهيق، ثم فتحت عينيها وهزَّت رأسها يميناً ويساراً، وانطفأت ابتسامتها!
إنها رائحتُه .. أجل إنها رائحته .. أنا مُتأكدة مِن ذلك .. هكذا حدثت نفسها، توجهَّتْ إلى خِزانة الملابس واستخرجتْ قطعةً مِن ملابسه التي تركها مُؤخراً قبل أن يتركها ويُسافر، احتضنتها وضمتها إلى صدرها ثم رفعتها إلى أنفها واستنشقتها بعُمق، أجل إنها نفس الرائحة التي داعبت أنفها عند استيقاظها مِن نومها، إنها رائحتُه، رائحة جسده التي تشمها هي وحدها، ولا يعرفها أحد غيرها حتى هو نفسه!
كثيراً ما كانت تقترب مِنه وتشمه كما تفعل القِطَّة مع أولادها الصغار، وكان هو يضحك مِما تفعلُه، وفي كُل مرة كان يسألها: هل تُعجبك رائحة هذا العِطر الجديد؟ وفي كُل مرة كان تجيبُه بأن العِطر لا يعنيها، فهي تستطيع أن تفصِل بسهولةٍ بين رائحة جسده ورائحة عِطرة، كثيراً ما حاول أن يتعرَّف على تلك الرائحة التي تتحدَّثْ عنها، لكنها كانت تضحك وتقول إنها الوحيدة التي تشُم تلك الرائحة!
تتحرَّك بِتثاقُلٍ شديد نحو النافذة، تُزيح الستائر الخفيفة وترمي بِبصرها بعيداً نحو تلك الحديقة التي تُواجه شُرفة المنزل، تلك الحديقة التي كانت السبب الرئيسي في اختيارهما معاً لذلك المنزل على وجه التحديد، لكنه الآن ليس معها في المنزل، إنه يومٌ آخر يخلو مِن وجوده، يومٌ آخر ليس لهُ عُنوان، يومٌ تُريده أن يمر وكأنه لن يتم احتسابه مِن بين أيام عُمرها.
تشُم رائحتُه مُجدداً، تتسع حدقتا عينيها بِشدة وتتلفتْ يميناً ويساراً وكأنها ستجدُه، تبتسم مِن فرط سذاجتها فهي تعلم جيداً أنه مُسافرٌ إلى بلادٍ بعيده وسيغيب عنها طويلاً، يُصيبها بعض الإحباط فتُقرر أن تشغل نفسها بأي شيء، تتوجه إلى المطبخ وتُفكر في أن تُضيِّع يومها كُله في إعداد الطعام والحلوى لتقوم بحفظها في الثلاجة، رُبما يُلهيها ذلك عن التفكير فيه، رُبما.
تنهمك بشدة في أعمال المطبخ، وتتعدد الروائح مِن حولها ما بين رائحة السمن والبيض والحليب والسُكَّر، وفجأة، إذا برائحته تُداعب أنفها مُجدداً، تباً لتلك الرائحة، فقد ذكرتها به مِن جديد وكأن جميع تلك الأشغال الشاقة لم تتمكن مِن أن تُنسيها إياه أو أن تصرف تفكيرها عنه، أطفأت موقد الطعام وهي تشعُر باليأس، لكن رائحتُه لازالت تزداد فحواها في أرجاء المكان، تهز رأسها وتُقرر الخروج مِن المطبخ، وما أن استدارت إلى الخلف، اذا به أمامها وهو لا يزال يحمل حقيبة سفره، فقد عاد للتو فجأة إليها.

التسميات: