شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الأربعاء، أغسطس 08، 2012

الجِنِّي

ما زال يُدهشني ذلك الإنسان، ولازالتْ أحوالُه وتطورات حياته لا تُفضي بيَ إلى أن أرسم له مِنهاجاً مُحدداً يسير عليه، دائماً تكون أفعالُه وردود أفعالُه خارج التوقعات ولا تتناسب مع المُعطيات، ومُنذُ يوم ولادتي والتي كانت قبل ثلاثمائة عام وأنا لازلتُ لا أفهمه، ويبدو أنني لن أفهمه أبداًّ.
قال لي والدي – أطال الله في عُمره – أن الناس يتحاكون فيما بينهم عنَّا بصوتٍ خافت، فهم يخافوننا بشدة ويخشون أن يروْنا رأي العيْن! لا أدري لم يخافوننا؟ سألتُ والدي فلم أجد لديه إجابةً شافية، قال لي رُبما هم يخشون كُل ما لا يلمسونه بحواسهم العادية التي منحها الله لهم مِن سمعٍ وبصرٍ وغيرها، رُبما يخافون كُل ما هو من الغيْبيَّات بالنسبة لهم، فهم يضعوننا في سلةٍ واحدة عندما يتحدثون عن الموت والآخرة والقبور والليل والظلام.
اندهشتُ عندما سمعتُ ذلك، فجميعُنا يخاف الموت والظلام، لكنني سمعتُ أيضاً أن بعض الناس يقولون أننا لا نظهر إلا ليلاً، مِن أين جائتهم تلك المعلومة الغريبة؟ لا أدري، رُبما لذلك فهم يخشون الليل والظلام، إننا لا نظهر للإنسان في أي وقت.
وسمعتُ آخرين يقولون أننا لا نعيش إلا في المناطق المهجورة، مسكينٌ ذلك الإنسان، إننا نحن مَن اضطُرِرنا إلى الهرب بعيداً عن أماكن تجمعات الإنسان لأننا سئمنا الزحام والضوضاء والضجيج الذي يحدثونه أينما حلَّوا وأينما كانت بينهم مُعاملات، إنهم يأكلون بعضهم البعض ولا يتراحمون فيما بينهم أبداً.
أما عن الحياة ليلاً، فالإنسان هو مِن دفعنا إلى ذلك، فكيف لنا أن نعيش في سلام بينما هم يتحركون نهاراً في كُل مكان ويؤذون كُل مَن حولهم في كل اتجاه؟ لقد اخترعوا العديد مِن الآلات ووسائل الإنتقال التي آذتنا كثيراً مما دفَعَنا إلى الإبتعاد عن أماكن تجمُعاتهم بل أكثر مِن ذلك، لقد دفَعَنا ذلك إلى الإبتعاد عن أوقات نشاطهم أيضاً.
كُنا فيما مضى ننتظر صلاة العشاء بفارغ الصبر، فما أن تنتهي تلك الصلاة فإن الهدوء يُخيِّم على الأرض ويخلدُ الإنسان إلى نومه، إنها الفُرصة الذهبية لكي نَتَزاوَر أو أن نقضي مصالحنا فيما بيننا نحن الجِن في أمانٍ تام وسلامٍ مضمون، كانت الفترة الزمنية بين صلاتي العشاء والصُبح هي فترة حياتنا الهادئة، ثم نُحاول جاهدين أن ننام بعد بزوغ الشمس، نعم كُنا نُعاني في نومنا، فما أفظع تلك الضوضاء التي يُحدثها بني الإنسان نهاراً.
قلت إن ذلك كان فيما مضى، فمُنذُ مائة عامٍ تقريباً لم يعد بني الإنسان ينامون ليلاً كما كانوا ينامون بعد صلاة العشاء، فقد استطاعوا أن يُضيؤا ليلهم، وصاروا ينامون في وقتٍ مُتأخِّر، وصار الوقت المُتاح لقضاء مصالحنا نحن الجِن ضيقاً للغاية، وبرغم ذلك، فإن أنشطتهم النهارية لم تتغيَّر، فقد كنتُ أعتقد أن الوقت الذي اقتطعوه مِنَّا ليلاً قد يعوضوننا بغيره نهاراً، لكنه لم يحدثّ.
اليوم، هلَّ علينا شهر رمضان، سمعتهم يقولون أنهم في مأمَنٍ منَّا في ذلك الشهر! لا أدري مَن الذي يحتاج أن يأمَنْ مِن الآخر؟ ولِمَ يخلطون بين الجِن والشياطين؟ لا يهم ذلك الآن، ما يهمني هو أن نشاط بني الإنسان سوف يقل لأنهم كسالى ويكرهون العمل، ومِن المؤكد أنهم سيتعللون بمجهود الصيام. لكن المُفاجأة هو أنهم صاروا يسهرون حتى طلوع الفجر، لم يتركوا لنا أيَّ ظلامٍ نتحرك فيه أو أي ليل نقضي فيه حوائجنا، لقد استولوا على الليل كُله، كما أنهم يزعجوننا أثناء النهار كُله أيضاً، ومع كُل ذلك، لا زال الناس يتحاكون فيما بينهم عنَّا بصوتٍ خافت، ولا زالوا يخافوننا بشدةٍ ويخشون أن يروْنا رأي العيْن، ويدَّعون أننا نظهر ليلاً!  

التسميات: