شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الأربعاء، مايو 22، 2013

سوق التجزئة المصري

 
عندما كنتُ أعيش في دولة الكويت مُنذُ سنوات، كان عدد السُكَّان هُناك حوالي ثلاثة ملايين نسمه، كان ذلك هو عدد سُكَّان الدولة كلها بما فيها مِن مُواطِنين وأجانِب ووافدين يعملون هُناك.
وانتقلتُ بعدها للعمل في مدينة جدَّه بالمملكة العربية السُعودية، وهي مدينة كبيرة يبلُغ عدد سُكَّانها أربعة ملايين نسمه، أي أن مدينة جدَّه يفوق عدد سُكَّانها عدد سُكَّان دولة الكويت. أمَّا عدد سُكَّان المملكة العربية السُعودية كُلها فهو يقترب مِن أربعة وعشرين مليون نسمه شاملاً الأجانب والوافدين، وهو ما يفوق عدد سُكَّان دوَل الخليج العربي مُجتمعين بكثير.
أذكر الآن تلك الأعداد لكي أُوضِّح الفروق البينية في حجم الأسواق المالية والإستهلاكية، وهو الشُغل الشاغِل لدى المُستثمرين ومديري التسويق والمبيعات، فكُلما زاد حجم المُستهلكين كُلما كان ذلك مصدراً لجذب الإستثمارات في قطاعات السلع الإستهلاكية وأسواق التجزئة.
ولننظُر إلى مدينة القاهرة بمصر، فالقاهرة يبلغ عدد سُكَّانها الآن حوالي أربعة وعشرون مليون نسمه، أي أنَّ السوق الإستهلاكي في العاصمة المصرية وحدها يفوق حجم عدد المُستهلكين في دولة كالسُعودية بأكملها، فما بالنا بحجم السوق المصري ككُل وهو ما يقترب مِن التسعين مليون نسمه الآن؟ حتى ولو كانت القوَّة الشرائيَّة أضعف مِن مثيلتها بدوَل الخليج العربي، حتى لو انخفضت إلى النصف، فلا يزال عدد السُكَّان المهول دافعاً قوياً لأن يكون السوق المصري جاذباً للإستثمار في قطاع التجزئة أكثر مِن أية أسواق أُخرى بالمنطقة. وللعلم بالشيء، فإنَّ قطاع التجزئة هذا يشمل على سبيل المِثال لا الحصر المًنتجات الغذائية والمُستهلكات المنزلية والشخصية والطبية والأجهزة الكهربائية والملابس والمفروشات وما يُماثلها.
إذاً فمِن الحقائِق العلمية المُؤكَّدة هو أنَّ عيون المُستثمرين الأجانب تقع جميعها على عدد السُكَّان في مصر لأنَّه يُمثل سوقاً واعدةً بالنسبة إليهم، لكِن اذا نظرنا إلى نوعية تلك السوق تلك فسنجدها تندرج تحت بند اقتصادي يُسمى FMCG وهو اختصار لمُصطلح يعني السِلَع المُستهلكة سريعة الحركة في السوق، وسُرعة الحركة هُنا تعني سُرعة دوران رأس المال، أي أنَّ هذه الإستثمارات سيتم تحصيل أرباحها واستعادة رؤوس أموالها بسُرعة وفي سنواتٍ قليلةٍ جداً مُقارنةً بالصناعات الثقيلة التي تؤتي ثمارها بعد سنواتٍ طويلةٍ كالحديد والصُلب وتكرير البترول وغيرها.
مُعظم تلك الأرباح المُباشرة تعود على المُستثمرين فقط أكثر مِن غيرهم، أما المُستهلكين – وهم أبناء هذا الشعب المصري العريض – فسيتم تفريغ جيوبهم في مُقابِل الحصول على تلك السِلَع الإستهلاكية، ولن تكون هُناك إضافة قوية إلى الإقتصاد اللهم إلا بعض المُساهمات في خلق الوظائف وبعض الإنشاءات التي ستحتاجها تلك الأسواق والمراكز التُجارية الكبيرة التي سيتم اضافتها، بالإضافة إلى ترويج المُنتجات المصرية المُختلفة، وليتنا نتوقف عن ترويج المُنتجات الكمالية المُستوردة التي تستنزف احتياطياتنا النقدية من العُملات الأجنبية، وهي مُنتجات يُمكننا الإستغناء عنها بالفعل.
لكننا في الحقيقة في حاجةٍ ماسةٍ إلى ما هو أهم مِن الإستثمار في قطاع التجزئة والمراكز التجارية الكبيرة، فنحن لا نُريد أن نُشجع النمط الإستهلاكي فقط، بل نحن في حاجةٍ إلى قيمةٍ مُضافةٍ إلى إقتصادنا الوطني مِن مشروعات زراعية وصناعات ثقيلة وتحديداً الإستراتيجية مِنها، فكلما اعتمدنا على أنفسنا في غذائنا وصناعاتنا كلما كانت لنا أسباب القوة والعزَّة، وكُلَّما اعتمدنا على أنفسنا كُلَّما تضاءلت فُرَص التدخُّل الأجنبي في سياساتنا الداخلية رغماً عنَّا بسبب الحاجة والعَوَز، فالخارج يتمنَّى دائِماً أن نكون دولةً مُستوردة وفي حاجة دائِمة إلى الآخرين، فيملون شروطهم علينا ويتحكمون في قراراتنا.
وللحديث بقية ..

التسميات: