شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الخميس، أغسطس 29، 2013

النوم

 
فجأةً، يتم استدعاء مشهد ما إلى ذاكرتي، ذلك المشهد كنت قد رأيته ضمن أحد المُسلسلات التليفزيونية حينما كنت صغيراً لم أتجاوز السنة التاسعة من عُمري بعد، بالطبع لا أذكر شيئاً عن المُسلسل ولا عن أبطاله، لكنني أذكر جيداً ذلك المشهد الذي يجلس فيه أحد أبطال المُسلسل في صالة منزله فيخرج عليه أحدهم ليسأله لماذا تجلس هُنا في هذا الوقت المُبكر للغاية؟ فيجيبه الأول: إنني لم أنم طوال الليل.
 
أذكر أنني حينها كنت مُندهشاً للغاية من ذلك المشهد، كيف لإنسانٍ ما ألا ينام طوال الليل؟ فالليل بالنسبة لي آنذاك كان له قُدسية كبيرة، فهو وقتٌ النوم فقط، كما أن الظلام يُصاحبه دوماً، وبالتالي فإنني لم أكن اتخيّل كيف يكون شكل الحياة والدُنيا كلها أثناء الليل؟ كيف يُمكن للإنسان أن يعيش مُتيقظاً بينما الكون كله نيام؟ هل من كائنات أُخرى تعيش وتتحرك أثناء الليل؟ أم أن الهدوء والسكون وحدهما هما المُسيطران حينها؟  لا أدري لماذا لم أسأل والديَّ حينها عن كل تلك الأسئلة التي تعصف بي، لكنني تمنيت حينها لو أنني أمر بتجربة مُماثلة لتلك التي قام بها ذلك المُمثل من باب الفضول، ثم طردت الفكرة من رأسي خوفاً ورُعباُ.
 
وما هي إلا سنوات قليلة، ويأتي شهر رمضان في فصل الصيف بما يتبعه من سهرات تليفزيونية مُطوّلة، وألعاب ليلية مع الأصدقاء والجيران حتى طلوع الفجر، حينها حققت حلمي بأن أقوم بالسهر حتى الصباح، واكتشفت أن ذلك الأمر آمنٌ للغاية طالما أن الجميع من حولنا يشاركوننا نفس التجربة، فالليل يتحول إلى نهار بسبب الصُحبة، ويتبدد الخوف بسبب كثرة المُحيطين بنا.
 
بعدها بسنوات، كنت قد التحقت بالجامعة، وكنت مُضطراً أحيانا لأن أقضي ساعاتٍ مُطوّلة بعد مُنتصف الليل في عمل بعض اللوحات الهندسية أو استذكار بعض المواد الدراسية الصعبة، لم يكن الأمر مُمتعاً، ولم يكن يُشاركني الكثيرون في ذلك مثلما كنا صغاراً في ليالي شهر رمضان، لكن المُبرر للسهر الطويل ليلاً كان يستحق، وكانت ضُغوط الدراسة كبيرة بحق.
 
يمر رُبع قرنٍ آخر، تتغير الظُروف وألاحوال، تزداد الهُموم والمسؤليإت والتحديات بشكلٍ تصاعُدي، تعصف ببلادنا العديد من الكوارث التي تؤثر في حياتنا رغماً عنّا، تتقاطع الهُموم العامة والخاصة لتنسف هُدوء حياتنا وتتراكم المشاكل وتضيق الصدور، فأجدني في النهاية لا أستطيع النوم بعُمق وراحة أثناء الليل، وكثيراً ما أقضي ليلي في أرقٍ مُتواصل.
 
أستدعي ذلك المشهد الذي حكيت عنه منذ قليل في أحد المُسلسلات، أتذكر ذلك المُمثل الذي لم ينم ليلته .. وأبتسم!
تعددت الليالي التي لا أستطيع النوم فيها، وكثيراً ما قضيت مُعظم ساعات الليل وأنا مُتيقظ ومُتنبه، صرت أحسد أحدهم عندما أعرف أنه قد نام ليلته لأن ذلك الأمر قد أصبح هو الإستثناء الآن! صرنا لا نستطيع النوم ليلاً أو نهاراً!

التسميات: ,