عطرها
أغلق باب سيارته باحكام وأطلق زفرة طويلة تدل على إرهاقه الشديد .. كان يوماً شاقاً جدا في العمل .. توجه بنظره الى الأعلى إلى حيث شرفة منزله التي تقع في الطابق السادس .. كان كمن يستصعب الصعود إلى ذلك الإرتفاع برغم وجود المصعد .. ترجل في بطء واضح نحو باب المصعد وتوقف أمامه منتظرا نزوله إلى الطابق الأرضي..
هبط المصعد خالياً فدلف بداخله وضغط على زر الطابق السادس .. وأثناء ذلك .. داعبت أنفه رائحة عطر أنثوي أخاذ من داخل المصعد نفسه .. حدث نفسه: من تكون صاحبة هذا العطر الرائع التي كانت قبله مباشرة في هذا المصعد؟ لابد وأنها سيدة أو فتاة ذات ذوق رفيع .. أنساه ذاك العطر جزءاً من تعبه حتى وصل إلى شقته
..
كان ذلك أمراً عابراً في ذلك اليوم .. لكنه تذكره مجدداً بعد أسبوع كامل حينما تكرر ذلك الأمر مرة أخرى .. كان هذه المرة عائداً من جولة للتسوق حاملا الكثير من الأغراض المنزلية التي يثقل حملها .. وما أن دخل إلى المصعد حتى داعبت أنفه رائحة ذلك العطر مرة أخرى .. تذكر على الفور أنه قد تمتع بهذه الرائحة منذ أيام مضت .. كما أنساه هذا العبير الأخاذ أنه يحمل أثقالاً كثيرة .. داعبت خياله صور كثيرة عن صاحبة ذلك العطر .. هل هي فتاة أم سيدة؟ هل هي جميلة وفاتنة بما يتناسب مع هذا العطر الرائع أم لا؟ داعبه الفضول كي يرى صاحبة ذلك العطر
..
لم يكن يتوقع أن يحمل صباح اليوم التالي مباشرة تلك المفاجأة .. فعندما استدعى المصعد ليهبط به نحو الطابق الأرضى .. توقف المصعد عند الطابق الثالث .. كانت هناك فتاة في مثل عمره تقريبا تنتظر المصعد للهبوط ودلفت بداخله .. وما أن أغلق الباب حتى إمتلأ المصعد بتلك الرائحة الأخاذة .. إنتبه هو إليها بشدة ونظر إلى وجهها نظرة مفاجئة وكأنه وجد شيئاً ما كان يبحث عنه منذ مده طويلة .. رفعت رأسها هي الأخرى ونظرت إلى وجهه وفي عينيها نظرة متسائلة .. ملأه الإحراج وإرتسمت على شفتيه إبتسامة بسيطة وكأنما يحييها .. بادلته بابتسامة خاطفة مماثلة .. حينها كان المصعد قد هبط إلى الطابق الأرضي وافترق كل منهما في طريقه
..
كانت تلك اللحظات البسيطة الخاطفة كفيلة بأن تشغل تلك الفتاة عقله وتفكيره بشكل كبير .. فقد كانت هيئتها تماثل ذوقها العالي في إختيار ذلك العطر المميز .. ربما مرت أياماً عديدة وهو يتمنى مقابلتها صدفة مرة أخرى .. تردد كثيرا في سؤال حارس البناية عن قاطني الطابق الثالث .. كان قلبه يخفق كل مرة عندما يمر المصعد على الطابق الثالث فلا يتوقف عنده
..
اليوم .. لمحها وهي تدخل إلى مدخل البناية بينما هو يغلق سيارته .. جرى نحوها بسرعة الصاروخ كي يلحق بها .. ضغط على زر المصعد ليوقفه قبل أن يصعد بها وحدها .. نجح في ذلك فعلاً ودخل إليها داخل المصعد .. إبتسمت له حيث كان يلهث بطريقة مضحكة .. هدأت أنفاسه قليلا عندما رأى ابتسامتها بينما كان المصعد يكاد يتوقف عند الطابق الثالث .. همت هي بالخروج بينما أبى هو أن يضيع تلك الفرصة دون محادثتها .. لكنه لم يكن يعرف كيف يبدأ معها أي حديث و هو الذي لا يعرفها مسبقا .. قال لها: معذرة يا آنسة .. أريد أن أسألك سؤالاً وأرجو أن تسامحيني على تطفلي .. جال بذهنه أن يسألها عن نوع العطر الذي تستخدمه بحجة أنه يريد شراء مثله لوالدته مثلاً .. ربما تكون تلك هي الطريقة التي يبدأ التعارف إليها
..
إبتسمت ابتسامة واسعة رقيقة .. وقالت له أنها تحمل له سؤالاً هي الأخرى و منذ زمن تود أن تسأله إياه.. خفق قلبه عالياً وهو يبتسم مشجعاً لها .. فسألته برقة وبخجل شديد عن نوع العطر الذي يستخدمه
التسميات: قصص قصيرة







