شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الأحد، يناير 19، 2014

حَطْ إيدُه ياه



موضوعنا اليوم عن الغَزَل، وما أدراكم ما الغَزَل.

بداية لابُد منها: أدوب أنا .. وهي احدى لزمات العبد لله الشهيرة،

وفي رواية أُخرى للفنان عبد المنعم ابراهيم (المعروف باسم ياسين ابن السيد أحمد عبد الجواد) في فيلم بين القصرين: أحبك يا أبيض،

وفي رواية ثالثة للفنان عبد الفتاح القصري: يا صفايح الزبدة السايحة .. يا براميل القشطة النايحة ..  يا أرض احفظي ما عليكي، كان ذلك قبل أن تمُر أمامه زينات صدقي ليُغير من رأيه السابق فوراً إلى العكس.

المهم، كان الغَزَل (والمفروض أنه لا يزال) فعلاً تلقائياً، لا يُمكن للمرء أن يتصنعه وإلا خرج (مفقوساً) أنه كاذب وغير حقيقي، يصدُر فعل الغَزَل عندما يرى الرجل تلك المرأة التي تُخرجه عن وقاره وشعورة فلا يسعه (دون أن يدري) إلا أن يُعبر عن اعجابه بها أو بجمالها (أو بأي عضو فيها) فينطق شعراً أو نثراً أو اطراءاً .. أو يفتح فمه من الدهشة كفَرَس النهر (سيد بيه قشطة).

ويحضرني هنا جُملة للكاتب عُمر طاهر في كتاب (رصف مصر) يقول فيها: ليرزقني الله بعيون تثير في القلب مزيجاً من الدفء والحيرة، عيون عندما تلتقي بها تتحول إلى درويش يردد بهيستريا (اللهم صلي على النبي .. اللهم صلي على النبي).

ما علينا ..

يقول عُلماء اللغة العربية أن الغَزَل هو التغني بالجمال، وإظهار الشوق إليه، والشكوى من فراقه، وهو فنُّ شعري يهدف إلى التّشبّب بالحبيبة ووصفها عبر إبراز محاسنها ومفاتنها (اختصر عُلماء اللغة الغَزَل فقط في الشعر كما تلاحظون) وهو ينقسم إلى نوعين: الغَزَل العفيف والغَزَل الصريح.

وطبعاً الفرق بين الغَزَل العفيف والصريح واضح، وهو اللي عبَّر عنه وحيد حامد قبل كده في أحد أفلام عادل إمام بتعبير: هو الفيلم ده قصة وألا مناظر؟ والمقصود بالمعنى (للي لسه ما فهمش يعني) إن الغَزَل العفيف هوغَزَل مؤدب فيه حياء، أما الغَزَل الصريح فهو غَزَل فيه تلميحات عن جمال وجسد المحبوبة أو المعشوقة وبعض الأفعال الحسيَّة وهو ما تم التعارف عليه بال (سيكو سيكو) من أيام فيلم النمر والأنثى.

قادني الفضول لأن أغوص قليلاً في بحور الشعر العربي لأرى كيف كان يحدُث ذلك الغَزَل الصريح، وجدت مقالاً يقول إن من أمثلة الغَزَل الصريح هو تلك الأبيات الفاحشة التي كان يقولها امرؤ القيس! فاحشة مرة واحدة؟ كان بيقول إيه بقى؟ نشوف كده:

سموت إليها بعد ما نام أهلها

سمو حباب الماء حالا على حال

فقالت سباك الله إنك فاضحي

ألست ترى السمار والناس أحوال

فقلت يمين الله أبرح قاعدا

ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

حلفت لها بالله حلفة فاجر

لناموا فما إن من حديث ولا صال ..

إلى آخر القصيدة،

المهم أن هذا هو كان الغَزَل الفاحش آنذاك، وكما ترون لم يكن هُناك أية (مناظر) أو أفعال فاضحة، ولو تتبعتم بقية قصائد الشعراء الذين تتصف قصائدهم بالغَزَل الصريح، لكان أقصى ما وجدتموه هو وصف صريح للعيون والشفاه وبعض من التلميحات الخفيفة عن النهود وثنايا الجسد، هذا كل ما في الأمر، وأنا من منبري هذا أدعو الجميع أنه لو وجد أحدكم أية قصيدة (فاحشة) تحتوى على أكثر مما ذكرته هًنا فليخبرني بها فوراً (وياريت يكون معاها صور توضيحية).

فالعاشق الحقيقي هو الذي يخاف على معشوقته أكثر من نفسه، ومن المؤكد أنه لن يتحدث عن مفاتن جسدها أمام الجميع شعراً أو نثراً، بل إنه يتمنى أن يضعها بين جفونه وبداخل قلبه كي لا يراها أحد.

تمر الأيام والسنوات فتتحرر العقول ومعها الأخلاق والملابس أيضاً، وأصبح كل ما كنا نعتبره في الماضي عيباً أصبح الآن عادياً بل وفي انحلال وتدني مستمر، وبدلاً من أن كانت (فايزة أحمد) تغني أغنية يامّا القمر عالباب (كناية عن حبيبها رشدي أباظة يعني) وتسأل أمها وتقول: يامَّا أرُّد الباب (اقفله في وشه يعني) وألا أناديله؟ إذا بإحدى مُطربات الجيل الحالي تصدح وتُصرِّح وتقول: حَطْ إيدُه ياه .. لاحظوا أنها مطربة وليس مطرباً!

لم أنزعج كثيراً لأعرف هو حَطْ إيدُه فين أو على إيه، بقدر ما أزعجني أنها نعتت ذلك الفعل بكلمة (ياه) .. وهو ما يدل على اعجابها الشديد بذلك الفعل واستمتاعها به، أعني الفعل (حَطْ إيدُه) يعني ..

وفي النهاية لا يسعني إلا أن أنعى امرؤ القيس الذي ظلموه عبر التاريخ العربي كله بأنه ذو شعر فاحش، رغم إنه لا (حَطْ إيدُه) طول عمره، ولا حتى حبيبته ليلى قالت له (ياه) أبداً لحد ما ماتوا، أرزاق.

التسميات: ,