شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الثلاثاء، أغسطس 19، 2014

إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ


 
من عجائب هذا الزمان الغريب أن هناك مُفارقات غريبة بين أشكال المُعاناة التي يواجهها البشر في أوطاننا العربية - كُلُّ حسب مُستواه المادي والإجتماعي - ولكن بشكل مُستفزللغاية!
فبينما نجد أن الجمع الساحق من أفراد هذا الشعب - وهم تحت مستوى الطبقة المُتوسطة - تكون مُعاناتهم في أن يجدوا قوت يومهم أو أن يستطيعون الإنفاق على تعليم أبنائهم أو مُعاجتهم إذا مرضوا، نجد في المُقابل مَنْ يشكون مُرَّ الشكوى من سواد الدُنيا في عيونهم بسبب عدم مقدرتهم على سداد أقساط الفيلا أو شاليه في الساحل الشمالي، أو بسبب أنهم يحلمون بتغيير السيَّارة التي يملكونها إلى النوع الأفضل، ويعتبرون أن حياتهم قد صارتْ في جحيم بسبب ذلك.
وعنوان هذا المقال يتحدَّث عن تلك الفئة الثانية، وهي الفئة التي ينطبق عليها قول الله تعالى في قرآنه الكريم في الآية 6 من سورة العاديات (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) علماً بأن الكنود هو الإنسان الذي يذكر المصائب وينسى النعم العديدة التي أنعمها عليه الله عز وجل، وهذا حال كثير من الناس، فإذا سألته عن أحواله فإنه يذكر مُشكلة ما تواجهه بعينها وصار همه كله فيها ولا يرى سواها، وينسى أن الله قد سلَّم له باقي الأشياء والأحوال. فالكنود هو الذي لا يشكر الكثير، وينسى اليسير.
وكلمة (كنود) أصلها من "كند" وتحمل معنى الجحود، وقبيلة كندة من قبائل العرب المعروفة، ومَنْ يُنسَب إليها يُقال له الكندي، وقيل أنها سُميَّت "كندة" لأنهم جحدوا أباهم وأنكروه، فالإنسان الكنود يعني الجَحود الكَفور.
ينسى الإنسان دائماً أن الكمال لله وحده، وأن الإنسان قد خلقه الله تعالى ليكون في كَبَد، أي في مُعاناة وصراعات، فالدًنيا ليستْ داراً للمُتعة والترفيه، بل هي دار الإختبارات والإبتلاءات. ولذلك يجب على المرء مِنَّا أن يُدرك أن أحواله لن تكون بنسبة  100% على ما يُرام، بل على سبيل المثال ستكون 80% منها جيدة وال 20% الباقية منها ستكون في مُعاناة شديدة، وكلما زالتْ الغُمَّة منها سيطرأ غيرها وهكذا، فبُلوغ الكمال مُستحيل وهو أمر مُخالف لسُنَّة الله في الأرض، ومُنافٍ لمبدأ الإختبار الذي نحن فيه في هذه الدُنيا.
وبُناء على ذلك، يجب أن نشكر الله على النعم الكثيرة التي تُحيط بنا بدلاً من أن نشكو فقط المصائب القليلة التي تُصيبنا، كما يجب ألا نبطر معيشتنا ونتمنى زوال المصائب القليلة حتى لو زالتْ النعم الكثيرة الأُخرى، لأن ذلك فيه طلب للمشقة من الله بسبب سوء تقديرنا لحجم النعم التي نتقلَّب فيها في مقابل المشاكل التي تواجهنا، ومثال ذلك ما وَرَد في القرآن الكريم عن أهل سبأ في الآية 19 من سورة سبأ حيث قال تعالى (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) فهؤلاء قوم كانوا حينما يسافرون يجدون في سفرهم قُرى مُتصلة وأنهار جارية وأموال ظاهرة، فكفروا بأنعم الله وطلبوا المشقة طمعاً في مُتعة السفر البعيد مقابل وسائل الراحة التي أنعم الله بها عليهم، فأرسل الله عليهم سيل العرم وغرقتْ قُراهم وخربتْ ديارهم وأبدلهم الله مكان جناتهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، جزاء بكُفرهم.
لهذا حذار من أن تكون كنوداً، وحذار من أن تبطر معيشتك، وحذار من أن ينطبق عليك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقع في نوع سيء من الكُفر وهو كُفر المُنَّعمين!
فعن أسماء ابنة يزيد الأنصارية رضي الله عنها قالت: مرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم و أنا في جوار أتراب لي، فسلَّم
علينا، وقال : إيّاكنّ وكُفر المنعَّمين! فقلتُ: يا رسول الله وما كُفر المنعّمين؟
قال: لعلّ إحداكنّ تطول أيمتها من أبويها، ثمّ يرزقها الله زوجًا، ويرزقها منه مالاً وولدًا، فتغضب الغضبة فتكفُر فتقول: ما رأيتُ مِنكَ خيرًا قطّ!
وتذكر يا عزيزي المُنَعّم أن هناك من تكون مُعاناتهم في هذه الحياة هو الحصول على كسرة خُبز أو أقراص علاج بينما أنت حزين على رصيدك في البنك وأقساطك المُرفَّهة التي تُثقل كاهلك كما تدَّعي.
اللهم قد بلَّغتْ.  

التسميات: