شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الأربعاء، أغسطس 24، 2011

عم منصور

عم منصور هو السائق الخاص بنا مُنذ سنواتٍ طويلة، أشعرُ أنَّهُ لا تظهر عليه علامات كِبَر السِّن رغم أنَّه عندما أتى ليعمل لدينا كان كبيراً في العُمر، ولم أستطع أن أناديه باسمه مُباشرةً دون أسبقهُ بكلمة ''العم'' .. فهو يكبرني بعشرين عاماً على الأقل، لكنَّه لم يتغيَّر شكله مُنذ ذلك الحين، بينما أنا الذي أزداد عُمراً وأخالني أقتربُ مِن عُمره، عُمر عم منصور.وعندما نكون سوياً بداخل السيارة، فإنَّ عم منصور لا يقوم بتشغيل أية برامج إذاعية غير اذعة القُرآن الكريم، قد يكون لديه موروثٌ قديم يقول أنَّ الأغاني والموسيقى ليستْ بشيءٍ حَسَن، رُبما يعتبرها حراماً وربما يعدها مِن المساخر، المهم أنه يتجنبها بشدة، لكنَّني على العكس أُحِبُ أن أستمع إلى الأغاني لأُنفِّسَ عن بعض هُمومي ومتاعبي، لكنَّني أستحي أن أبدو أمام عم منصور بصورة الرجل المُحِب للهزل أو المرح.لذلك ألجأُ إلى حيلةٍ تجعلني لا أبدو كذلك في نظره (أو هكذا أظن)، فبمُجرد ركوبي السيارة أُنصتُ إلى تلاوة القرآن الكريم الذي يقوم بتشغيله عم منصور، وأنتظرُ قليلاً ثم أقول صدق الله العظيم، وأشرع في تحويل مُفتاح القنوات الإذاعية نحو الإذاعة الرسمية لأستمع إلى نشرة الأخبار. أنا لا أُحب نشرات الأخبار، لكنَّني أتحملها وأنا أتصنَّعُ الجديَّة والصرامة حتى تنتهي، فيعقبها بعض الاغاني والتي هي هدفي مِن البداية. أشيحُ برأسي بعيداً عَن عم منصور كي لا أرى ردَّ فعله، ولكي أدَّعي أنا أيضاً عدم الإكتراث.أولادي لا يستحون، لا يُهمهم صورتهم ولا انطباعات الآخرين عنهم، وبمُجرد ركوبهم السيارة يُبادر أحدهم بتشغيل اسطوانة أغاني أو شريط كاسيت دون أن يستأذن أو يقول صدق الله العظيم، كما أنَّ عم منصور لا ينهرهم أو يوبخهم على ذلك أبداً، تتحرك السيارة بينما الأولاد يصفِّقون ويتمايلون مع الأغنية.حبيبي قرب .. بص وبص بص ..زعلان إزعل .. إزعل نص نص .. ألتفتُ نحوَ عم منصور فأجدهُ في مُنتهى السعادة بسبب مرح وسعادة الأولاد وبسبب طريقة تفاعلهم مع الأغنية، أراهُ يبتسم ويضحك مِن اندماجهم، ورُبما كان يعشق الأغاني مثلي لكنَّه لا يُصرِّح بذلك، رُبما يُحبها لكنَّه يخشى أن يقوم هو بتشغيلها خوفاً مِن موروثٍ ديني أو أخلاقي يُسيطرُ عليه مُنذ زمن.لا أدري لماذا أشغلُ بالي بعم منصور، إنَّهُ رجلٌ كبيرٌ ومُلتزم، يستمع فقط إلى القرآن الكريم وتتميَّز حياته بالبساطة، لابد أن نفسيته سويَّةً أكثر مِنِّي لأنَّه لا توجد أمورٌ كبيرةٌ تؤرقهُ مِثلي، أنا الذي يحملُ هموماً كثيرةً هُنا وهُناك، وكُلَّما اتسعتْ دائرة أعمالي كُلَّما ازدادتْ هُمومي أكثر.قال لي صديقي (وهو رجل أعمالٍ أيضاً) أنَّ أفضل شيءٍ قد يُساعدني على نسيان همومي هو تدخين الحشيش، قال لي أنَّه شيءٌ لا يُسبب الإدمان كالكوكايين والهيرويين، لذا فلن يُضيرني أن أقوم بتجربته، لأُنفِّسَ عَن روحي وضيق صدري.كيف يُمكنني أن أشتري ذلك الحشيش؟ لا أُريد أن أُرسل أحدهم ليشتريه لي وإلا اهتزَّتْ صورتي أمام الناس، المُهم هو المظهر العام، تمنيتُ لو كان بإمكاني أن أُرسل عم منصور ليشتريَ لي الحشيش، فهو الوحيد الذي أئتمنهُ، أطردُ الفكرة مِن رأسي سريعاً وأنا أضحك، عم منصور لا يقوم بتشغيل الأغاني أبداً.وصف لي صديقي مكاناً غريباً يُمكنني أن أشتري مِنهُ الحشيش، لا مَفرَّ مِن أن أذهب بنفسي كي لا يعلم بأمري أحد، تركتُ سيَّارتي بعيداً وترجَّلتُ نحو المكان الذي وصفه صديقي لي، إنَّه مَتْجَرٌ مُتواضعٌ يبيع بعض الخردوات كستارٍ يخفي وراءهُ تجارة الحشيش، لقنني صديقي كلمةً سريَّةً لابُد أن أُلقيها على البائع حتى يطمئنَّ إليَّ ويبيعني الحشيش، يالها مِن مغامرةٍ ساخرةٍ لا تليقُ برجل أعمالٍ مِثلي، رأيتُ أحدهم يقفُ أمام باب ذلك المَتْجَر، وقفتُ بعيداً انتظرهُ ريثما يرحل، اشترى الرجل شيئاً مُريباً في لفافةٍ صغيرةٍ جداً وعاد ليمُرَّ مِن أمامي تماماً دون أن يلتفتَ إلى أحد، كان الرجل مُرتبكاً وقلقاً للغاية، تابعتُه بنظري ريثما ابتعد عنِّي قليلاً، كان الرجل هو عم منصور



التسميات:

الجمعة، أغسطس 05، 2011

عن التدوين أتحدَّثْ

في مثل هذا الشهر مُنذ خمسة أعوام، بدأتُ رحلتي التدوينية معكم على صفحات هذه المدوَّنة، ثُمّ تطوّر الأمر كثيراً بعد ذلك بالنسبة لي وللعديد من المدونين الآخرين ايضاً، كُنتُ قد تنبأتُ ذات يوم بأن التدوين هو بداية لشيء ما، وشعرتُ أنَّ التغيير قادم لا محالة، وما كان التدوين سوى بداية مُتواضعة على طريق ذلك التغيير، والذي يتم الآن بالفعل
وفي هذه المُناسبة، أعرض لكم مقالتي التي تم نشرها بمجلة فصول الأدبية في عدد الربيع لعامنا هذا، لتطرح لكم فكرتي عن التدوين، البداية والنهاية والتأثير
المقال
رُبما يجدر بي في البداية أن أقوم بتعريف العنوان قبل أن أشرع في استكمال المقال، فكلمة التدوين باختصار هي مُصطلح تم التعارُف عليه من قِبَل مستخدمي الإنترنت ليعبروا عن تلك المواقع الإلكترونية التي تسمح باستضافة صفحات يُمكن لأي أحد أيا كان أن يدوّن عليها وكأنه قد أنشأ موقعاً خاصاً به على الإنترنت ولكن بالمجان، وقد بدأتْ تلك المواقع في الظهور والإنتشار في وطننا العربي عام 2005 وازدهرت بعد ذلك تدريجياً في الأعوام اللاحقة أكثر فأكثر
ومن وجهة نظري المُتواضعة فإن التدوين في حد ذاته يُعتبر نقطة تحول فاصلة في تاريخ الأدب الحديث شئنا أم أبينا، فبظهور التدوين أخذ الإنتاج الأدبي يتخذ مساراً جديداً لا يُمكن انكارُه أو اخفاؤُه
لماذا أعتبر التدوين نقطة تحوُّل؟ لكي أجيبكم على هذا السؤال دعونا نرجع قليلاً إلى الوراء فيما قبل ظهور التدوين لنتابع حالة الحركة الأدبية في مصر والوطن العربي، فقد كانت الحركة الأدبية لها آلياتها وصورها الثابتة والراسخة التي لم تتغيّر كثيراً عبر عقود طويلة. لا أحد يعلم كم كان عدد المُبدعين في عالمنا العربي وكم عدد الموهوبين القابلين إلى التحول إلى مُبدعين حقيقيين بعد التدريب والإحتكاك؟ رُبما صادف العديد مِنّا الكثيرين من المُبدعين الهواة في كافة المجالات وليس في الأدب فقط، لكن كم منهم استطاع الوصول إلى القنوات التي يُمكنه من خلالها نشر ابداعه؟ إنهم نُدرة بلا شك
وهنا لُب المشكلة، فقد كان الوصول إلى القنوات التي يُمكن من خلالها نشر الإبداع صعباً للغاية، سواء كانت تلك القنوات صُحفاً يومية أو مجلات دورية أو دوراً لنشر وتوزيع الكُتب. وكم من مُبدعين انطفأت ابداعاتهم عبر عقود عدة وذلك لأنهم لا يعرفون السبيل لنشر ابداعاتهم، وحتى اذا عرفو الطريق وطرقوا الأبواب، فإن اقتناع القائمين علي تلك القنوات كان دائماً صعباً وغير مُشّجع
ما علاقة ذلك بالتدوين إذاً؟ لقد جاء التدوين لينسف كافة القيود التي تتحكم في نشر الإبداع نسفاً، فقد أصبح فجأة من حق أي مبدع أو أي شخص أن يقوم بنشر ابداعاته في أي لحظة دون انتظار لرأي رقيب أو موافقة رئيس تحرير أو دار نشر، أصبح النشر متاحاً ومجانياً وسهلاً وسريعاً في ذات الوقت. تفككت فجأة كافة القيود المفروضة على النشر والتي كانت دائما السبب الرئيسي في وفاة العديد من الإبداعات مُبكراً في عقود عديدة، وانفجرت المدوّنات هُنا وهُناك لكافة الأجناس والأعمار بلا استثناء وأصبح الجميع سُعداء بأن أخرجوا ما يجيش بصدورهم إلى النور دون قيد أو شرط
لم تنته القصة عند حد النشر فحسب، فنشرُ الإبداع ليس هدفاً في حد ذاته فقط، بل حدث ما هو أهم، وهو تفاعُل القُرّاء عبر التعليقات. تلك التعليقات هي المحرك الرئيسي الذي أضاف للتدوين بُعداً هاماً جداً، فمن خلال التعليقات والنقاشات والسجالات التي كانت تتم فيها، أصبح للمُبدع وسيلة هامة وسهلة وسريعة تُعرّفُه مدى جودة ما كتب، وما هي نقاط الضعف والقوة فيها. لقد أصبح التدوين ابداعاً جماهيرياً وفي نفس الوقت جاء النقد جماهيرياً أيضاً، ولندع مفهوم النقد المتخصص جانبا الآن، فالمُهم أن النشر والتعليقات قد أديا معاً إلى تحسين مُستمر في جودة الإبداع وأديا معاً إلى الإرتقاء بأنصاف المُبدعين إلى أن يكونوا مُبدعين بحق مع تقدم الزمن
لم أبدأ التدوين إلا بعد عام كامل من مُتابعة المدونين الأوائل في صمت، ولا أُنكر أنني قد أمضيت وقتاً ليس بالقليل وأنا مُندهش ومبهور بما أرى، كُنتُ وقتها قد بدأتُ سنوات غربتي خارج البلاد وكُنتُ على يقين داخلي بأن هذه الشعوب أصبحتْ تافهةً ولن يخرج من بينها ابداعاً مُحترماً كما كان في الماضي، لكن رأيي هذا تغيّر تماماً بظهور التدوين حيث أخذتُ أتابع العديد من المدوَّنات المُتنوعة، منها ما هو سياسي ومنها ما هو قصصي ومنها ما هو خاص بالشعر ومنها ومنها ومنها، حينها تفاجئتُ بالمستوى الراقي للمدونين وما يكتبونه، وتفاجئتُ باختلاف الأعمار السنية فمنهم من هو دون العشرين عاماً ومنهم من هو فوق سن الخروج إلى المعاش، وتذكرتُ نفسي عندما كُنتُ طالباً في الجامعة عندما كنتُ كاتباً للقصص والشعر ولم يكن أمامي حينها سوى زملاء الجامعة لكي أعرض عليهم ما أكتبه وأسألهم عن آرائهم فيما أكتب، أبتسم وأتمنى لو كان التدوين موجوداً آنذاك مثلما هو الحال الآن، فقد رأيت طُلاباً كثيرين ينشرون ابداعاتهم ويحصلون على التشجيع والنقد، وهو ما أسهم في ارتفاع مستواهم وشهرتهم
المهم أن الموضوع أخذ بُعداً جديداً بعد ذلك إذ بدأتْ دور النشر في تبني تلك الإبداعات وشرعتْ في نقلها من مرحلة النشر الإلكتروني عبر الإنترنت إلى أن تكون كُتباً ورقية، وهذه خطوة محمودة بلا شك لعدة أسباب أولها أن القُرّاء عن طريق الإنترنت مازال عددهم قليلاً جداً في منطقتنا العربية مقارنة بعدد السكان، وبالتالي فإن وصول الأفكار ونشر الإبداعات مازال يتطلب أن يتم عبر النشر الورقي، وثانيها أنه لا توجد بعد آليات لحماية ما يُنشر على الإنترنت، فكان النشر الورقي بمثابة توثيق لهذا الإبداع وحمايته، وثالثها أن النشر الورقي يُحتِّم على الكُتّاب الجُدد أن يخرجوا من خلف شاشات الكومبيوتر ليتواجدوا في الساحة فيتفاعلون مع الناس والنقاد
كان هذا عن سهولة النشر وعن طريقة تفاعل القراء، وكلاهما يُعدُّ كما هو واضح أمراً جديداً حديثاً لم تشهده الساحات الأدبية قبل ذلك ولم يتخيّل أحد أن تلك المُستحدثات سوف تُولد من الأساس، لكنّها التقنيات الحديثة التي طالتْ كل شئ، ولكن ماذا إذا عن اللغة والأساليب؟
فبعد أن كانت الأساليب المستخدمة في الكتابة محصورة في أشكال تقليدية ثابتة لا تتغير، وبعد أن كانت أية محاولات للتجديد في أساليب الخطابة يتم مواجهتها قهرا وخوفا من الخروج عن تقاليد الكتابة التي ظلت ثابتة عبر عقود، خرج المدوّنون جميعاً بأساليب مختلفة ومُتعددة ومُبتكرة في الكتابة والسرد والتعبير، وذلك لأنه لا يوجد رقيب يمنعهم من عرض تلك الإبتكارات كما كان يحدث في قنوات النشر التقليدية، ولأن تفاعُل القراء كان مُشجعاً إلى حد كبير
لا أعني هنا استخدام العامية أو الفصحى بقدر ما أعني اختلاف الأساليب نفسها وخروجها عن الأُطر التقليدية الرسمية المتوارثة، فظهر ما هو خليط بين العامية والفصحى، وظهر ما هو بالعامية الشبابية التي تمتليء بالألفاظ الدراجة بين الشباب، وظهر ما هو مُبتذل أيضاً
أصبح ظهور كل تلك الأساليب الجديدة ناجحاً جداً رُبما أكثر من الأساليب القديمة والقوالب المعتادة، ذلك لأن المدونين يمثلون شرائح المجتمع المختلفة وبالتالي فإن تلك الأساليب هي أساليب الحديث العادية والدارجة والواقعية بالفعل بين الناس وبالتالي فإنه لا يُمكن اهمالها أو إغفالها أبدا إذا ما أردنا أن نقوم بتوصيل فكرة ما بالشكل المطلوب
فلغة الشباب الغريبة التي يتحدثون بها ويستنكرها الكبار هي في الواقع لغة يتحدث بها أكثر من نصف المجتمع، ولا داعي أبدا لدفن رؤسنا في الرمال فنرفض وجودهم ونفرض عليهم لغة ما في الإنتاج الأدبي قد لا يفهمونها
الخُلاصة أن الإبداع كان نشرُه محصوراً في فئة تتحدث لغة رسمية جداً ولا يفهمهم سوى من شابههم وهم القلة الآن، أما التدوين فقد جاء محققاً لرغبات كافة أطياف المجتمع بكافة أعمارهم، فتعددت لغات الخطاب الأدبي وتغيرت أشكال اللغة لذلكقد يرى البعض أن ذلك الأمر خطر على اللغة وهادم لها، وهو أمر غير مُستبعد بالطبع، لكننا لا يجب أن ننسى أن الفائدة الأساسية للغة هي أن تقوم بتوصيل الأفكار وتحقيق التواصل، وليست الإبداعات اللغوية هدفا في حد ذاتها


التسميات: