شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الجمعة، أغسطس 05، 2011

عن التدوين أتحدَّثْ

في مثل هذا الشهر مُنذ خمسة أعوام، بدأتُ رحلتي التدوينية معكم على صفحات هذه المدوَّنة، ثُمّ تطوّر الأمر كثيراً بعد ذلك بالنسبة لي وللعديد من المدونين الآخرين ايضاً، كُنتُ قد تنبأتُ ذات يوم بأن التدوين هو بداية لشيء ما، وشعرتُ أنَّ التغيير قادم لا محالة، وما كان التدوين سوى بداية مُتواضعة على طريق ذلك التغيير، والذي يتم الآن بالفعل
وفي هذه المُناسبة، أعرض لكم مقالتي التي تم نشرها بمجلة فصول الأدبية في عدد الربيع لعامنا هذا، لتطرح لكم فكرتي عن التدوين، البداية والنهاية والتأثير
المقال
رُبما يجدر بي في البداية أن أقوم بتعريف العنوان قبل أن أشرع في استكمال المقال، فكلمة التدوين باختصار هي مُصطلح تم التعارُف عليه من قِبَل مستخدمي الإنترنت ليعبروا عن تلك المواقع الإلكترونية التي تسمح باستضافة صفحات يُمكن لأي أحد أيا كان أن يدوّن عليها وكأنه قد أنشأ موقعاً خاصاً به على الإنترنت ولكن بالمجان، وقد بدأتْ تلك المواقع في الظهور والإنتشار في وطننا العربي عام 2005 وازدهرت بعد ذلك تدريجياً في الأعوام اللاحقة أكثر فأكثر
ومن وجهة نظري المُتواضعة فإن التدوين في حد ذاته يُعتبر نقطة تحول فاصلة في تاريخ الأدب الحديث شئنا أم أبينا، فبظهور التدوين أخذ الإنتاج الأدبي يتخذ مساراً جديداً لا يُمكن انكارُه أو اخفاؤُه
لماذا أعتبر التدوين نقطة تحوُّل؟ لكي أجيبكم على هذا السؤال دعونا نرجع قليلاً إلى الوراء فيما قبل ظهور التدوين لنتابع حالة الحركة الأدبية في مصر والوطن العربي، فقد كانت الحركة الأدبية لها آلياتها وصورها الثابتة والراسخة التي لم تتغيّر كثيراً عبر عقود طويلة. لا أحد يعلم كم كان عدد المُبدعين في عالمنا العربي وكم عدد الموهوبين القابلين إلى التحول إلى مُبدعين حقيقيين بعد التدريب والإحتكاك؟ رُبما صادف العديد مِنّا الكثيرين من المُبدعين الهواة في كافة المجالات وليس في الأدب فقط، لكن كم منهم استطاع الوصول إلى القنوات التي يُمكنه من خلالها نشر ابداعه؟ إنهم نُدرة بلا شك
وهنا لُب المشكلة، فقد كان الوصول إلى القنوات التي يُمكن من خلالها نشر الإبداع صعباً للغاية، سواء كانت تلك القنوات صُحفاً يومية أو مجلات دورية أو دوراً لنشر وتوزيع الكُتب. وكم من مُبدعين انطفأت ابداعاتهم عبر عقود عدة وذلك لأنهم لا يعرفون السبيل لنشر ابداعاتهم، وحتى اذا عرفو الطريق وطرقوا الأبواب، فإن اقتناع القائمين علي تلك القنوات كان دائماً صعباً وغير مُشّجع
ما علاقة ذلك بالتدوين إذاً؟ لقد جاء التدوين لينسف كافة القيود التي تتحكم في نشر الإبداع نسفاً، فقد أصبح فجأة من حق أي مبدع أو أي شخص أن يقوم بنشر ابداعاته في أي لحظة دون انتظار لرأي رقيب أو موافقة رئيس تحرير أو دار نشر، أصبح النشر متاحاً ومجانياً وسهلاً وسريعاً في ذات الوقت. تفككت فجأة كافة القيود المفروضة على النشر والتي كانت دائما السبب الرئيسي في وفاة العديد من الإبداعات مُبكراً في عقود عديدة، وانفجرت المدوّنات هُنا وهُناك لكافة الأجناس والأعمار بلا استثناء وأصبح الجميع سُعداء بأن أخرجوا ما يجيش بصدورهم إلى النور دون قيد أو شرط
لم تنته القصة عند حد النشر فحسب، فنشرُ الإبداع ليس هدفاً في حد ذاته فقط، بل حدث ما هو أهم، وهو تفاعُل القُرّاء عبر التعليقات. تلك التعليقات هي المحرك الرئيسي الذي أضاف للتدوين بُعداً هاماً جداً، فمن خلال التعليقات والنقاشات والسجالات التي كانت تتم فيها، أصبح للمُبدع وسيلة هامة وسهلة وسريعة تُعرّفُه مدى جودة ما كتب، وما هي نقاط الضعف والقوة فيها. لقد أصبح التدوين ابداعاً جماهيرياً وفي نفس الوقت جاء النقد جماهيرياً أيضاً، ولندع مفهوم النقد المتخصص جانبا الآن، فالمُهم أن النشر والتعليقات قد أديا معاً إلى تحسين مُستمر في جودة الإبداع وأديا معاً إلى الإرتقاء بأنصاف المُبدعين إلى أن يكونوا مُبدعين بحق مع تقدم الزمن
لم أبدأ التدوين إلا بعد عام كامل من مُتابعة المدونين الأوائل في صمت، ولا أُنكر أنني قد أمضيت وقتاً ليس بالقليل وأنا مُندهش ومبهور بما أرى، كُنتُ وقتها قد بدأتُ سنوات غربتي خارج البلاد وكُنتُ على يقين داخلي بأن هذه الشعوب أصبحتْ تافهةً ولن يخرج من بينها ابداعاً مُحترماً كما كان في الماضي، لكن رأيي هذا تغيّر تماماً بظهور التدوين حيث أخذتُ أتابع العديد من المدوَّنات المُتنوعة، منها ما هو سياسي ومنها ما هو قصصي ومنها ما هو خاص بالشعر ومنها ومنها ومنها، حينها تفاجئتُ بالمستوى الراقي للمدونين وما يكتبونه، وتفاجئتُ باختلاف الأعمار السنية فمنهم من هو دون العشرين عاماً ومنهم من هو فوق سن الخروج إلى المعاش، وتذكرتُ نفسي عندما كُنتُ طالباً في الجامعة عندما كنتُ كاتباً للقصص والشعر ولم يكن أمامي حينها سوى زملاء الجامعة لكي أعرض عليهم ما أكتبه وأسألهم عن آرائهم فيما أكتب، أبتسم وأتمنى لو كان التدوين موجوداً آنذاك مثلما هو الحال الآن، فقد رأيت طُلاباً كثيرين ينشرون ابداعاتهم ويحصلون على التشجيع والنقد، وهو ما أسهم في ارتفاع مستواهم وشهرتهم
المهم أن الموضوع أخذ بُعداً جديداً بعد ذلك إذ بدأتْ دور النشر في تبني تلك الإبداعات وشرعتْ في نقلها من مرحلة النشر الإلكتروني عبر الإنترنت إلى أن تكون كُتباً ورقية، وهذه خطوة محمودة بلا شك لعدة أسباب أولها أن القُرّاء عن طريق الإنترنت مازال عددهم قليلاً جداً في منطقتنا العربية مقارنة بعدد السكان، وبالتالي فإن وصول الأفكار ونشر الإبداعات مازال يتطلب أن يتم عبر النشر الورقي، وثانيها أنه لا توجد بعد آليات لحماية ما يُنشر على الإنترنت، فكان النشر الورقي بمثابة توثيق لهذا الإبداع وحمايته، وثالثها أن النشر الورقي يُحتِّم على الكُتّاب الجُدد أن يخرجوا من خلف شاشات الكومبيوتر ليتواجدوا في الساحة فيتفاعلون مع الناس والنقاد
كان هذا عن سهولة النشر وعن طريقة تفاعل القراء، وكلاهما يُعدُّ كما هو واضح أمراً جديداً حديثاً لم تشهده الساحات الأدبية قبل ذلك ولم يتخيّل أحد أن تلك المُستحدثات سوف تُولد من الأساس، لكنّها التقنيات الحديثة التي طالتْ كل شئ، ولكن ماذا إذا عن اللغة والأساليب؟
فبعد أن كانت الأساليب المستخدمة في الكتابة محصورة في أشكال تقليدية ثابتة لا تتغير، وبعد أن كانت أية محاولات للتجديد في أساليب الخطابة يتم مواجهتها قهرا وخوفا من الخروج عن تقاليد الكتابة التي ظلت ثابتة عبر عقود، خرج المدوّنون جميعاً بأساليب مختلفة ومُتعددة ومُبتكرة في الكتابة والسرد والتعبير، وذلك لأنه لا يوجد رقيب يمنعهم من عرض تلك الإبتكارات كما كان يحدث في قنوات النشر التقليدية، ولأن تفاعُل القراء كان مُشجعاً إلى حد كبير
لا أعني هنا استخدام العامية أو الفصحى بقدر ما أعني اختلاف الأساليب نفسها وخروجها عن الأُطر التقليدية الرسمية المتوارثة، فظهر ما هو خليط بين العامية والفصحى، وظهر ما هو بالعامية الشبابية التي تمتليء بالألفاظ الدراجة بين الشباب، وظهر ما هو مُبتذل أيضاً
أصبح ظهور كل تلك الأساليب الجديدة ناجحاً جداً رُبما أكثر من الأساليب القديمة والقوالب المعتادة، ذلك لأن المدونين يمثلون شرائح المجتمع المختلفة وبالتالي فإن تلك الأساليب هي أساليب الحديث العادية والدارجة والواقعية بالفعل بين الناس وبالتالي فإنه لا يُمكن اهمالها أو إغفالها أبدا إذا ما أردنا أن نقوم بتوصيل فكرة ما بالشكل المطلوب
فلغة الشباب الغريبة التي يتحدثون بها ويستنكرها الكبار هي في الواقع لغة يتحدث بها أكثر من نصف المجتمع، ولا داعي أبدا لدفن رؤسنا في الرمال فنرفض وجودهم ونفرض عليهم لغة ما في الإنتاج الأدبي قد لا يفهمونها
الخُلاصة أن الإبداع كان نشرُه محصوراً في فئة تتحدث لغة رسمية جداً ولا يفهمهم سوى من شابههم وهم القلة الآن، أما التدوين فقد جاء محققاً لرغبات كافة أطياف المجتمع بكافة أعمارهم، فتعددت لغات الخطاب الأدبي وتغيرت أشكال اللغة لذلكقد يرى البعض أن ذلك الأمر خطر على اللغة وهادم لها، وهو أمر غير مُستبعد بالطبع، لكننا لا يجب أن ننسى أن الفائدة الأساسية للغة هي أن تقوم بتوصيل الأفكار وتحقيق التواصل، وليست الإبداعات اللغوية هدفا في حد ذاتها


التسميات:

12 Comments:

Blogger Jana said...

المقال جميل ووافى
عن توصيل الأفكار وتحقيق التواصل ..هو أكثر ما وجدت للتدوين من فائدة عظيمة ..أن تتواصل مع آخرين يحاورونك كما يجب أن يكون الحوار , يحترمون عقلك وتحترم عقولهم .. تختلفون وتتفقون فى إطار عاقل وغير متعصب
أن تحصل على أصدقاء عشت عمرك كاملاً قبلها ولم تجد مثلهم
أن تجد من يفهم كلماتك ويقرأ ما بين السطور ومن يفهم المباشرة ويعى ما تريد قوله ببساطة
أن تستزيد علماً وثقافة كنتيجة طبيعية لتفاعل منطقى بينك وبين مدونين آخرين
لأمور لم نكن لنحصل عليها دون وجود التدوين

الجمعة, أغسطس 05, 2011

 
Blogger عدى النهار said...

هو ثورة:)

الجمعة, أغسطس 05, 2011

 
Blogger candy said...

مقال جميل


أنا تقريبا عملت نفس الحكاية
فى الأول كنت فاكرة التدوين دا بقى حاجة صعبة وأنى هاطلع فى التليفزيون وهايقبضوا عليا وأتسجن ...

بس بعد كدة لقيته حالة لذيذة جدا من المشاركة.

مش لازم دايما اللى يقرالك يكون حد صاحبك ... ممكن حد يقرالك فيبقى صاحبك ، حتى لو مسافة النص بس ...

ولقيت أن لما حد يكتبلك
شكرا على الفكرة هاجربها
أو
you made my day
دى ليها احساس حلو قوووووووى كأنك عديت واحد ماتعرفوش الشارع ودعالك :)

ماحدش ينكر أن التدوين غير الحياة السياسية والأدبية فى مصر

______________

تحياتى لحضرتك

الجمعة, أغسطس 05, 2011

 
Blogger فتاه من الصعيد said...

مقل جميل ...

اعتقد ان لقب الصحافه الشعبيه الذي يطلق على التدوين هو لقب موضح لماهيه التدوين ..... ودورها في الحياه المصريه ..

مازلت اجد ان المدونين من اكثر المجموعات الالكترونيه هدوءا رغم بعض الصخب

السبت, أغسطس 06, 2011

 
Blogger Mona said...

مقال جميل - ورمضان كريم

الأحد, أغسطس 07, 2011

 
Blogger ذو النون المصري said...

كل عام و انت بخير
بمناسبة الشهر الكريم و عيد ميلاد المدونة

الاثنين, أغسطس 08, 2011

 
Blogger رسامة said...

كل سنة و انت طيب يا بشمهندس :)

الاثنين, أغسطس 08, 2011

 
Blogger rovy said...

مقال وافى و شامل ..
التدوين فعلا نقطة تحول فى تاريخ الادب الحديث .. سلمت يدك ..
كل عام و انت بخير أخى الفاضل ..

الأربعاء, أغسطس 10, 2011

 
Blogger عمار مطاوع said...

المهم أن تكمل مسيرتك نحو الهدف
خمسةأعووام فترة كبيرة
لا تتوقف

السبت, أغسطس 13, 2011

 
Anonymous غير معرف said...

ثقافة الهزيمة .. مغامرات البقرة الضاحكة

ما قصة لوسي أرتين؟
ـ لوسي أرتين كانت علي علاقة بالرئيس مبارك والعلاقة بدأت عن طريق زكريا عزمي وجمال عبدالعزيز، و كان فيه رجل أعمال مشهور بيحب يعرف مبارك علي فتيات من دول شرق أوروبا وحسين سالم كان متولي دول غرب أوروبا.

هل قصر الرئاسة كان يدار بهذه الطريقة؟
- القصر كان يدار بالسفالة والأسافين والنقار والقمار والنسوان وقلة الأدب ودا كل اللي كان شغلهم ومصلحة البلد بعدين .

هي سوزان كانت بتحس بالغلط اللي كان بيعمله الرئيس؟
- هي كانت مقهورة من اللي بتشوفه والنسوان داخلة طالعة قدامها واللي جايين من أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية ومش قادرة تتكلم وبتبكي علي طول بسبب اللي بتشوفه وأحيانا كنت بأصبرها وأقولها مصر مافيهاش غير سيدة أولي واحدة، بس بعدها قرر الرئيس أن ينقل جلساته الخاصة في شرم الشيخ وبرج العرب .

ھل تزوج علیھا؟
-لا ھو مش محتاج یتجوز .. البركة في زكریا عزمي وجمال عبدالعزیز. ...

باقى المقال ضمن مجموعة مقالات ثقافة الهزيمة ( بقلم غريب المنسى ) بالرابط التالى

www.ouregypt.us

الأربعاء, أغسطس 17, 2011

 
Blogger norahaty said...

فعلا التدوين
نافذة واسعة جدا
اتاحت لكثير منا
العطاء والتلقى
وفتحت أمامنا
جميعا ابواباً
وبلاد لنستزيد
من المعارف
والصلات والأراء.
مقال جميل اوى
ياباشمهندس
تسلم ايدك

الاثنين, أغسطس 22, 2011

 
Anonymous real estate egypt said...

اوجزت فأنجزت كلام من ذهب

الثلاثاء, أكتوبر 18, 2011

 

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home