شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الثلاثاء، مارس 19، 2013

تأمُّلات طائِرة 1

 

 
كانت الطائرة مُمتلئةً عن آخرها رغم ضخامة حجمها وكثرة عدد مقاعدها، كُنتُ مِن آخر الذين يدخلون إلى داخل الطائرة وكانت جميع المقاعد مشغولةً تقريباً، وكان اللون الأبيض هو اللون الغالب على جميع الركاب، فقد كانوا يرتدون جميعاً ملابس بيضاء اللون سواء كانوا رجالاً أم نساءً، وكانت وجوههم بيضاء أيضاً مِن فرط النقاء والطُهر، فقد كانوا جميعاً عائدين إلى الوطن بعد أداء العمرة، وكان النور يتلألأ في وجوههم جميعاً
رُبما كُنتُ أنا الوحيد الذي يرتدي اللون الأسود، كُنتُ الوحيد الذي يرتدي ملابس رسمية وربطة عنق، كان منظري شاذاً بينهم جميعاً، رُبما لاحظوا أيضاً أنَّ وجهي لا يتلألأ مثل وجوههم، فمشاكل العمل كانت تعصفُ بي طوال اليوم، كما تراكمتْ الهموم على صدري بسبب المشاكل المالية التي تتعلق بتمويل أعمالنا، كُنتُ بحقٍ مُتعباً للغاية.
وصلتُ إلى مكان المقعد المُخصَّص لي ثُمَّ وضعتُ حقيبتي الخاصة بالرَّف العُلوي وجلست، كان بجواري شاب وامرأة كبيرة في العُمر، قد تكون أُمّه أو عمّته أو خالته، كانت المرأة تتوسط المقاعد بيني وبين ذلك الشاب، أغمضتُ عيوني من فرط تعبي، فقد كُنتُ مُتعباً بدنياً ونفسياً، سمعتُ الشاب يقول لتلك المرأة بلهجةٍ ريفيةٍ واضحة: هل نتبادل الأماكن لكيلا تكوني بجوار الرجل؟ كان يقصدني أنا، وكان ذلك آخر ما وعيته، فقد خلدتُ إلى النوم بعدها فوراً.
استيقظتُ بعدها على صوت المُذيع وهو يصفُ حالة الجو وارتفاع الطائرة وخلافه، لم أشعر أبداً بتحرُّك الطائرة ولا صعودها، لا أشعرُ بشيءٍ عندما أكون مُجهداً هكذا، لمحتُ بجواري ذلك الشاب وهو يتوسطني أنا وتلكَ المرأة، متى تبادلا أماكنهما يا تُرى؟ وكيف لم أشعر بذلك؟ كان أمراً عجيباً فالأماكن ضيقة للغاية.
جاءتْ المُضيفة لتُقدم لنا الطعام، وكانتْ تتحدَّث اللغة الإنجليزية فقط، سألتنا عَن نوع الوجبات التي نُفضل أن نتاولها، وقالتْ: تشيكين أور بيف؟ نظر إليَّ الشاب وقال: ماذا تقولُ تلك المُضيفة؟ ابتسمتُ له وقُلت: أتريدُ دجاجاً أم لحماً؟ فقال لي: كلانا يُريد دجاجاً.
قُلتُ ذلكَ للمُضيفة باللغة الإنجليزية بينما لمحتُ الشاب يميلُ على تلكَ المرأة حيث همستْ في أُذنه بشيءٍ ما، اعتدلَ الشاب ثُمَّ التفتَ إليَّ وقال: لقد غيَّرتْ مِن رأيها، إنَّها تُريد اللحم بدلاً مِن الدجاج، ابتسمتُ في وجهه وكأنَّني أُريد أن أقول لهُ إنَّ المرأة لم تختر شيئاً في البداية، إنَّه أنتَ مَن اخترتَ لها.
ظنَّ الشاب أنَّني مِن طبقة المُثقَّفين لأنَّني أتحدَّثُ الإنجليزية، فسألني: ماذا تعمل؟ فقُلتُ لهُ أنا أعملُ مُهندساً، فقال لي وهو يتصنَّع المعرفة: أي نوعٍ من المُهندسين أنت؟ أعرفُ العديد من المُهندسين، فأنا عاملٌ في مصنع، فابتسمتُ وأخبرته عَن مجال عملي، لم يفهم بالطبع طبيعة عملي الخاصة، فتصنَّع أنَّه قد فهمني ثم التفتَ إلى المرأة التي بصُحبته‎ ‎وأخذ يتحدث معها.
كان حديثهما معاً شيقاً للغاية، فكلاهما مِن أُصولٍ ريفيةٍ بسيطة ولا توجد لديهم أيَّ تعقيداتٍ للحياة، كُنتُ أنظر إلى اللاشيء بينما حديثهم يخترقُ أُذني، كانا يتقاسمان مصروفات رحلة العُمرة وكانا يضحكان بصوتٍ مسموع حيث كان كلاهما يُحاول خدعة الآخر، فهمتُ أن هُناك ألف وتسعمائة وأربعون جنيهاً قد أنفقاها سوياً في شيءٍ ما ويُريدان أن يتقاسماها، وكان كُل منهما قد ساهم بجزءٍ مُختلف، كانتْ المرأة تُحاول اقناعه بأرقامٍ غير سليمة فيضحَك، ثُمَّ يُدافعُ هو بطريقةٍ مُعاكسةٍ وغير سليمةٍ أيضاً فتضحَك، كانت ضحكاتهم نقيَّةً وجميلة، وجدتُ نفسي أبتسمُ بعفويةٍ عندما تحدَّدَ الخلافُ بينهما حول أربعين جُنيهاً مِن وجهة نظره هوَ، وعشرين جُنيهاً مِن وجهة نظرها هِيَ، ما أبسط حياة هؤلاء، أحسَّ الشاب أنَّني أُتابعُ كُل شيءٍ يدورُ بينهما، فأراد أن يُشركني وأن يحتكم إليَّ، فسألني: أيُرضيك هذا؟ أرأيت كيف تعاملُني أُمِّي؟ هل يُمكن لأُمِّكَ أن تفعل معكَ ذلكَ؟
ابتسمتُ لهُ وتنفستُ بعمقٍ ثُمَّ قُلتُ لهُ: ليس لي أم، لقد ماتتْ مُنذ أكثر مِن رُبع قرن!

التسميات: ,