شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الجمعة، يناير 22، 2010

غائب عن الوعي

لحظات طويلة تمر وهو يشعر بأنه غير قادر على فتح عينيه .. يحاول أن يرفع جفنيه فيشعر بأنهما أثقل من جبل.. يعود للغوص في دنيا رمادية اللون ويرى الحلم من خلال شاشة عرض سينمائية كبيرة تقترب وتبتعد عن عينيه .. يعاوده الألم فيطلق آهات صغيرة تجعله يبتعد عن حلمه ويتلمس ما حوله فلا يجد غير ملمس الفراش الذي يرقد عليه
.
تعلو آهاته وتمتماته وهو يضع يديه على موطن الألم منه بلا شعور .. تمسك الممرضة يديه برفق وتزيحها جانباً بينما طبيبه يسجل موعد بدء إفاقته من العملية الجراحية ويعلق الأوراق على الفراش ملقياً للمرضة بالتعليمات الأخيرة
.
سمية .. سمية .. قالها بصوت واهن ولكنه وصل لسمع الطبيب الشاب الذي إبتسم وإقترب من مريضه وقال: الحمد لله على سلامتك .. لم يجب المريض وظل متأوهاً في ضعف ظاهر
.
غادر الطبيب الشاب الحجرة ليجد امرأة جميلة تقف ببابها محمرة العينين تعلو وجهها أمارات التوتر والقلق.. فسألها : هل أنت زوجته؟ أجابت بنعم وقد تعلقت عيناها بشفتيه في إنتظار كل كلمة لتطمئن .. فأردف وقال لها: إطمئني سيدة سمية .. إن زوجك بخير
.
إتسعت عيناها .. فربت الطبيب على كتفها وأكد لها أن زوجها يفيق الآن من التخدير وأن حالته مطمئنة .. وأنه لم يكف عن ذكر اسمها في لحظات غيابه عن الوعي .. وإبتسم لها مؤكداً أن زوجها لابد وأن يكون غارقاً في حبها
.
سألته المرأة الجميلة ببطء: هل قال .. سمية؟
وأعادت السؤال بصوت أعلى وقد إكتست ملامحها بغضب قاتل: هل قال سمية؟
لمع بريق الفهم في رأس الطبيب .. وأدرك خطأه .. لقد كان مريضه يعشق امرأة اخرى

التسميات:

الأحد، يناير 10، 2010

زعلان على مصر


كالعادة .. أشعر دائما أن المعرفة نقمة وليست نعمة .. وكلما تعلمت شيئا جديدا كلما إزداد همي للأسف .. ففي هذه الأيام من كل عام وبحكم طبيعة عملي تنهمر على رأسي التقارير الإقتصادية من البنوك وهيئات التمويل ومجلات الأعمال .. كلها تحلل النتائج والإتجاهات الإقتصادية الإقليمية والعالمية عن العام السابق .. وتشرع في التنبؤ بما هو آت في العام المقبل أو الأعوام التي تليه
.
للعلم بالشيء .. فالعالم كله في النهاية معنى بالتطور الإقتصادي والتطور الإقتصادي فقط .. فالنمو السكاني المطرد لابد أن يستتبعه تطور مواز في الخدمات والمرافق والغذاء وفرص العمل .. وإلا أصبحت المجتمعات في أزمة خانقة ذات آثار جانبية خطيرة .. ولهذا تتغيرالحكومات في أغلب أنحاء العالم .. فمن ينجح يستمر .. ومن يفشل سيأتي من بعده من يحمل برنامجا إصلاحيا جديدا .. وتلك هي سنة الحياة
.
هل تاهت سنة الحياة عن مصر؟ سؤال يحتاج إلى إجابة بلا شك .. وقبل أن نشرع في الإجابة دعونا نتأمل إمارة دبي مرة أخرى .. تلك الإمارة التي طلبت من دائنيها عشية عيد الأضحى السابق أن تؤجل سداد بعض ديونها لمدة ستة أشهر قادمة .. وفور إعلان ذلك الخبر سارعت جميع الصحف والمجلات في أن تنعي دبي وتعلن وفاتها .. وكأن بين عشية وضحاها إنهارت العمارات الشاهقة بطريق الشيخ زايد وغرقت جزر النخيل وميناء جبل علي الصناعي العملاق .. وإحترقت المدن الصناعية العملاقة .. وسقطت طائرات طيران الإمارات ذات الأسطول الرهيب



صحيح أن الإمارة أفرطت في الإقتراض والتوسع في التمويل العقاري .. لكنها إستثمرت أيضا العديد من القروض في شركات عملاقة تدر وستظل تدر أرباحا رائعة .. فدبي تمتلك أكبر شركة في العالم لإدارة الموانئ العالمية .. ولديها أكبر مصهر لصناعة الألمونيوم في العالم تحت إسم دوبال .. ولديها طيران الإمارات ومطار دبي الذي يعد من أشهر مطارات الترانزيت في العالم وكذلك العديد من المشروعات السياحية المتنوعة التي يصعب حصرها .. هذا بخلاف أن دبي هي جزء من دولة الإمارات العربية المتحدة التي تقودها إمارة أبوظبي الغنية بالنفط .. والتي لن تسمح أبدا بأن تنهار دبي ومعها سمعة الإمارات كلها

.
الأهم من ذلك كله أن جميع المحللين الإقتصاديين يؤكدون أنه لا توجد مدينة أخرى في الشرق الأوسط كله قادرة على أن تلعب الدور الذي تقوم به دبي .. فهي المدينة الوحيدة المؤهلة لكي تكون المكان الأمثل لممارسة الأعمال بالنسبة للمستثمرين .. وهنا يطل علينا سؤال آخر: أين مدينة القاهرة إذا؟ سؤال آخر يحتاج إلى إجابة .. وقبل أن تكثر الأسئلة دعونا نرى إجابة السؤال الأول عن سنة الحياة والتغيير
.
ففي التاسع عشر من نوفمبر من العام الماضي أقال حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم كلا من محافظ مركز دبي المالي عمر بن سليمان .. وكذلك أهم ثلاثة أعضاء في مؤسسة دبي للإستثمار التي تدير حصص الحكومة في طيران الإمارات وبنك الإمارات وشركة إعمار ومصهر دوبال للألومنيوم وشركة موانئ دبي وجزر النخلة .. وهؤلاء الثلاثة هم محمد القرقاوي وسلطان بن سليم ومحمد العبار .. والجدير بالذكر أن كل هؤلاء المقالين هم من كان لهم دور أساسي في تحويل دبي من مركز تجاري إقليمي إلى مركز عالمي .. ولتفسير تلك الإقالة قالوا هناك: لكل زمن دولة ورجال

يقول لي أحد الخبثاء: لكن مصر قامت هي أيضا بعمل تغيير ورزاري منذ أيام .. ومع خالص إحترامي لهذا التغييرالذي حدث إلا أنني أحس بالحركة والديناميكية أكثر في تغييرات دبي برغم وطأة ديونها .. فهم يقيلون من هم أكفاء بالفعل ويعينون من هم أفضل منهم لقيادة المرحلة الجديدة وفق المتغيرات الجديدة .. وهو ما لا نطبقه في بلادنا للأسف
.
تقول التقارير الإقتصادية عن العام الماضي أن مصر لم تتأثر كثيرا بالأزمة الإقتصادية العالمية مثلما تأثرت بها دبي .. ليس ذلك بسبب تفوق الإقتصاد المصري بالطبع .. لكن السبب هو عدم إرتباط الإقتصاد المصري بآليات السوق العالمية بالشكل الكامل .. فمصر تعيش سوقا داخية مختلفة حيث يصنف نصف الإقتصاد المصري بأنه غير رسمي وغير مسجل .. هذا عن العام الماضي .. أما الأعوام التالية فتشير التقارير إلى إنخفاض حاد في الدخل للدولة المصرية بينما يوجد طلب متصاعد على الخدمات المختلفة .. وهذا الطلب لن يقابله موارد إقتصادية تجعل من الدولة قادرة على تمويل المشروعات المتعلقة بتلك الخدمات .. مما سيسبب حالة من تدني الخدمات في المستقبل القريب .. أما عن العام المقبل .. فالتقارير تشير أن الإستثمار سيكون حذرا للغاية إنتظارا لما ستسفر عنه التغييرات السياسية
.
أحس بالثقة في دبي بأنها ستستطيع وقريبا أن تسدد التسعين مليار دولار التي هي حجم مديونيتها .. وبأن إنهيار أسعار العقارات والإيجارات في دبي سيجعل منها مكانا ساحرا وجاذبا للأعمال أكثر من ذي قبل .. بينما أتألم وأنا أرى بلادي ذات يوم تصدرحكومتها قرارا بذبح الخنازير إتقاء لشر إنتشار المرض المسمى بإسمها .. لكن رغم ذلك تصبح مصر فجأة إحدى الدول التي توطن فيها المرض عن جدارة وإستحقاق .. وهو إن دل على شيء فإنما يدل على عدم التخطيط الجيد وهو ما يقلقني بشده .. تتوالى الكوارث على بلادي هذه الأيام ويصعب هنا حصرها .. ولا أثق في أن حسن شحاته مدرب الفريق الوطني لكرة القدم قد يستطيع أن يفعل شيئا في كأس الأمم الأفريقية القادمة ربما يكون من شأنه أن يخدر الملايين من هذا الشعب عما يحدث
.
يهمس أحدهم في أذني قائلا: أنصحك بأن تبقى فترة أطول خارج مصر .. فأسأل نفسي مجددا: مافيش رجوع يا مراكبي والا ايه؟

التسميات: