شد القلوع يا مراكبي ... مافيش رجوع يا مراكبي

الجمعة، فبراير 10، 2012

مطعمنا الوطني

كان ذلك في اليوم السابع عشر بعد وصولي إلى ذلك البلد الأوروبي البعيد، لازلت أذكُر أنَّه اليوم السابع عشرحتى بعد مرور كُل تلك السنوات الطوال، أبتسم كثيراً كُلما تذكرت ذلك الرقم وكأنَّه رقمٌ سحري، كُنتُ قد استقريت على أربعة أنواع من الأطعمة الأوروبية التي يُمكنني أن أتناولها في ذلك البلد العجيب، وكُنتُ أُكرر تلك الأطعمة الأربعة بشكل دوري كُل أربعة أيام، إلى أن أخبرني أحدهم في مساء اليوم السادس عشر بأن هُناك مطعماً جديداً قد افتتحه أحد أبناء وطني مُؤخراً على أطراف العاصمة، وأن ذلك المطعم يُقدم أصناف طعامنا الوطني للجاليات العربية المُقيمة في ذلك البلد الأوروبي البعيد، بخلاف أن ذلك يُعد شيئاً جذاباً للأوروبيين أنفسهم أيضاً، عندئذٍ قررت أن أقوم بإيقاف جدول الأطعمة الأربعة الذي كُنتُ أتبعه، وذهبت لأقوم بتجربة ذلك المطعم الذي ظهر فجأة، وكان ذلك في اليوم السابع عشر.
كان ذلك المطعم غريباً عما سواه هُناك في كُل شيء، فقد اجتهد صاحبه قدر الإمكان لكي يُضفي عليه روح وطننا، بدا ذلك في شكل الحوائط والمقاعد والطاولات، وكانت هُناك أغانٍ خفيفة تتردد لمُطربي وطننا بين جنبات المكان، كان صاحب المطعم كمن يُحاول أن يبث روح الوطن وسط ذلك البلد البعيد، فبرغم كُل مظاهر الحياة الأوروبية خارج المطعم بكُل تفاصيلها، إلا أنَّك تستشعر وكأنًّك قد سافرت فجأة إلى قلب الوطن بمُجرد دخولك عبر بوابة المطعم!
كان ذلك عن الجو العام للمطعم مِن الداخل، أما عن الطعام نفسه، فللأسف لم يكُن مُستواه في مِثل مستوى الطعام الذي نتاوله في وطننا أبداً، قال لي صاحب المطعم حينها أن المُشكلة لا تكمُن في طريقة الطهي أبداً، فقد استقدم طباخين مهرةً للغاية مِن وطننا لكي يعملوا لديه، لكنَّ المُشكلة تكمُن في المواد التي يُصنَع مِنها الطعام، فالمواد والأطعمة هُنا في أوروبا تختلف تماماً عن تلك التي تنبت في أرض الوطن، لكنُّه سيجتهد لكي يقوم بحل تلك المُشكلة الفارقة عمَّا قريب.
لم أفهم كيف سيتمكَّن صاحب المطعم من أن يحل تلك المُشكلة بحق، فنحن على بُعد آلاف الأميال عن وطننا، لا أُنكر أنَّ تصميم المطعم وشكل الطعام يُنبئان بأنَّنا في مكانٍ يقع بين ربوع الوطن، فالمناظر العامة للمكان والطعام معاً تجعلُنا نشعُر بذلك تماماً، لكنَّ مذاق الطعام نفسه مُختلفٌ تماماً.
الغريب في الأمر أن مذاق الطعام بدأ يتغير بالفعل مع مرور الزمن، كُنتُ في كُل مرة أزور فيها ذلك المطعم، أجد صنفاً جديداً قد تحسَّن طعمُه، كان صاحب المطعم هو مَن ينصحني بتناول صنفٍ ما بعينه في كُل مرة أزورُه فيها، وعندما سألته عن السبب في ذلك، قال لي أنه استطاع أن يعقد صفقةً ما مع أحد المزارع أو المجازر في وطننا البعيد كي تمدهُ بصنف ما من المواد الأولية التي يُصنع منها الطعام، وكانت تلك المواد تصله عبر النقل الجوي. كان يفعل ذلك شيئاً فشيئاً، فقد كان حذراً جداً في انفاقه، ولم يكن يرد أن يخوض تلك التجربة في كافة المواد اللازمة لطهي جميع الأصناف معاً دُفعةً واحدة.
مرَّت السنين وطالت تلك التجربة طويلاً، كُنتُ أمزح مع صاحب المطعم في كُل مرَّةٍ أزورُه فيها وأقول له: ألم تنته مِن نقل الوطن إلى مطعمك بعد؟ ألم تنجح بعد في أن تصنع شيئاً مُماثلاً تماماً لوطننا؟ وكان يضحك ويقول مُستطرداً: بقِىَ خمسة عشر صنفاً، بقى أحد عشر صنفاً، وهكذا.
مُنذُ عشرة أعوام، زُرت ذلك المطعم ذات يوم، فوجدت صاحب المطعم مُلتصقاً بجوار المذياع وهو حزينٌ ومهموم، قال لي إن إحدى الدول العُظمى قد قامت باحتلال بلادنا لكي تُنقذها مِن طُغيان الحاكم الذي كان يحكم بلادنا منذ زمنٍ طويل، لم أُصدق ما سمعته حينها، بل إنني لم أدر أشرٌ ذلك أم هو خيرٌ لوطننا؟ كُنتُ فرحاً بالطبع لرحيل ذلك الحاكم الطاغية، فبسببه كُنتُ قد رحلت عن وطني عندما ضاقت بي الأرض وهاجرت مِنها، لكن هل سيكون ذلك الإحتلال الأجنبي ذو أغراضٍ نبيلة بالفعل؟ أم أنَّ المشهد يحتوي على أشياء أُخرى أبعد مِن ذلك؟
لم أنتظر طويلاً كي أعرف الإجابة عن سؤالي ذاك، فقد ظهر الوجه القبيح للمُحتَل على الفور عندما وضع يده على ثروة بلادنا، فانتشرت على الفور فِرَق مُقاومة الإحتلال بعد ذلك في كُل مكانٍ وحاربته، بل وأوجعته طويلاً حتى اضطر إلى الرحيل بعدها بعامٍ واحد فقط، حينها عادت الفرحة لصاحب المطعم ولي أنا أيضاً، ثُمَّ أخذنا نحلم بقائدٍ جديد يقود وطننا مِن الظلام إلى النور، قائد جديد يختاره شعبنا ولا يكون مفروضاً عليه.
أعوامٌ أُخرى تمضى وتمضي ولا يصل ذلك القائد المجهول إلى سدة الحُكم في بلادنا أبدأً ، أعوامٌ تبدأ وتنتهي وقد اشتدت الحرب الأهلية بين نفس الفِرَقِ التي كانت تقاوم الإحتلال معاً ذات يوم! أعوامٌ تمضي وهُم لا يتفقون على قائدٍ يتوافقون عليه ويُرضيهم جميعاً، الجميع يظُن أنَّه هو الوحيد الذي على حق وطمعوا جميعاً في السُلطة ونسوا الوطن ومصلحته العُليا، تناحروا كثيراً وبشدة إلى أن تمزَّق الوطن وأصبح أشلاءً، ولم يتفقوا إلا بعد أعوامٍ طويلة، اتفقوا على الهُدنة بعد أن انهاروا جميعاً وانهار الوطن معهم وبسببهم، بعد أن تغيَّر الوطن ولم يُصبح كما كان.
قالوا لنا أن بلادنا لم تعُد كما كانت، تلاشت المتاحف والمُنتزهات والأماكن الجميلة وحلَّ بدلاً منها الخراب والدمار، أُغلقت الجامعات والمدارس والمسارح وكافة أماكن التجمُعات، حلَّ الجهل والظلام وانهارت الخدمات، ولم يتبقَّ لدينا نحن من الوطن سوى تلك الصور القديمة، وتلك المشاهد القليلة التي تحفظها ذاكرتنا.
كان مطعمنا الوطني هو الملاذ الوحيد لنا كي نشعر أن لنا وطناً ما، وبرغم أن امدادت المواد الغذائية الواردة من وطننا قد توقفت تماماً بسبب حروبنا الأهلية هُناك، وبرغم أن مذاق الطعام قد هبط مستواه مِن جديد مثلما كان عند افتتاح المطعم، إلا أن المناظر والأغاني كانت هي السلوى والملجأ، ولم نعُد نشتكي أبدأً من هبوط مستوى الطعام.اليوم، زُرت مطعمنا الوطني مرةً أُخرى، فوجدت هُناك ضيفاً وجيهاً قالوا لي إنه وزير جديد في الحكومة الجديدة لوطني، كان الوزير مُعجباً جداً بالطعام الذي يُقدمه ذلك المطعم، وبعد أن انتهى من طعامه هو وضيوفه، طلب مِن صاحب المطعم أن يقوم بافتتاح مطعمٍ مُماثل هُناك بين ربوع الوطن، وذلك لكي يتعرَّف الشعب هُناك على تلك المأكولات الوطنية، فقد اندثرت تلك المأكولات أثناء الحرب الأهلية مثلما اختفى كُل شيء، لقد نسيها الناس أو رُبما ماتوا أثناء الحرب، وأصبح الجيل الحالي الجديد لا يعرف عمَّا كان في وطنه شيئاً.



التسميات:

6 Comments:

Blogger Eng-Ahmed Raafat said...

كم مؤلمة هي تفاصيلك

لقد تخيلت الحل مثلا لمشاكلنا حاليا من وحي قصتك طبعا

هو ان نضع عينه جيدة من البشر بعد انتقائهم جيدا داخل ثلاجة لحفظهم مزيدا من الوقت حفاظا عليهم من الرصاص والبنادق وفقا الاعين

حتى اذا انتهينا ، او انتهت المرحلة الانتقالية .. اخرجناهم بكل ما تركناه معهم من ذكريات واحاسيس بل واخلاق

فلا يعلم الا الله كيف سنتحول مع هذه الايام التي لا تبقي ولا تز


فليرحمنا الله .. ويبقي لنا قلمك عامرا
تحياتي والسلام

(( ادم المصري ))

السبت, فبراير 11, 2012

 
Blogger آلام وآمال said...

ربنا يستر ع اللي باقي من و طننا

الخميس, فبراير 16, 2012

 
Blogger No Fear said...

السلام عليكم
رائع كالعادة :)
....
يارب القصة تكون حصلت أو مش هتحصل أبدا

السبت, فبراير 25, 2012

 
Anonymous Dr Ibrahim said...

جيدة..ونأمل أن نرى مطعمنا الوطنى فى كل مكان فى وطننا دون منازعات بين فرق مقاومة الاحتلال..

الثلاثاء, مارس 06, 2012

 
Anonymous غير معرف said...

ثقافة الهزيمة .. الناس اللى فوق و الناس اللى تحت

و نشرت جريدة المصرى اليوم فى 17 فبراير 2012 فى برنامج «محطة مصر» للإعلامى معتز مطر على قناة «مودرن حرية» وجه النائب أبوالعز الحريرى اتهاماً لأحد كبار أعضاء المجلس العسكرى بالتورط فى تهريب 4 مليارات دولار للخارج، وقال إن إحدى الشخصيات تقدمت ببلاغ رسمى عن وجود 15 مليار دولار «أموالاً قذرة» فى البنك المركزى، وقدمته لعدة جهات من بينها المخابرات الحربية التى أخبرته بأنه تمت إحالة البلاغ لأحد كبار أعضاء المجلس، وبعد عدة أيام فوجئت بخروج 4 مليارات دولار من هذا المبلغ خارج مصر،

وأضاف «الحريرى» أنه يتقدم باستجواب للمشير حسين طنطاوى حول هذا الموضوع، إلى جانب استجواب آخر حول المصرف العربى الذى وصفه بـ«المصرف الملعون»، لأنه «مغسلة للأموال القذرة» فى مصر، ويتربح منه المسؤولون منذ عام 1974، ولا توجد رقابة عليه، وتتعمد وحدة مكافحة غسل الأموال بالبنك المركزى تجاهله تماماً ...باقى المقال فى الرابط التالى

www.ouregypt.us

الثلاثاء, مارس 06, 2012

 
Anonymous غير معرف said...

ثقافة الهزيمة .. الناس اللى فوق و الناس اللى تحت

و نشرت جريدة المصرى اليوم فى 17 فبراير 2012 فى برنامج «محطة مصر» للإعلامى معتز مطر على قناة «مودرن حرية» وجه النائب أبوالعز الحريرى اتهاماً لأحد كبار أعضاء المجلس العسكرى بالتورط فى تهريب 4 مليارات دولار للخارج، وقال إن إحدى الشخصيات تقدمت ببلاغ رسمى عن وجود 15 مليار دولار «أموالاً قذرة» فى البنك المركزى، وقدمته لعدة جهات من بينها المخابرات الحربية التى أخبرته بأنه تمت إحالة البلاغ لأحد كبار أعضاء المجلس، وبعد عدة أيام فوجئت بخروج 4 مليارات دولار من هذا المبلغ خارج مصر،

وأضاف «الحريرى» أنه يتقدم باستجواب للمشير حسين طنطاوى حول هذا الموضوع، إلى جانب استجواب آخر حول المصرف العربى الذى وصفه بـ«المصرف الملعون»، لأنه «مغسلة للأموال القذرة» فى مصر، ويتربح منه المسؤولون منذ عام 1974، ولا توجد رقابة عليه، وتتعمد وحدة مكافحة غسل الأموال بالبنك المركزى تجاهله تماماً ...باقى المقال فى الرابط التالى

www.ouregypt.us

الجمعة, مارس 09, 2012

 

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home